السيد محمد تقي المدرسي

113

من هدى القرآن

معرفته بالشهود ومن خلال تعريفه نفسه بالآيات ، يبدأ السياق القرآني فصلا آخر لا ينفك عن الأول ، بل يلتقي معه في الهدف ذاته ، حيث تذكِّرنا الآيات التالية بعذاب جهنم وجزاء الله للكافرين « وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ » . إن الكفر بالله من قبل الإنسان هو الآخر كعمل الشياطين خرق لنظم الله مما يستوجب العذاب . ولهذه الآية صلة متينة بالآية الثانية في السورة التي بينت أن حكمة الخلق استظهار معدن الإنسان بالابتلاء ، والكفر والعذاب صورة لفشل الإنسان في القيام بدوره وواجبه الذي خُلق من أجله ، فيتردى في الجحيم « وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » والمصير من الصيرورة أي ما يصيِّر الإنسان نفسه إليه . ويلاحظ في هذه السورة تأكيد الله على اسم الرحمن أربع مرات ( في الآيات : 3 ، 19 ، 20 ، 29 ) ، وكأنه تعالى يريد أن يؤكد أنه إنما خلقنا ليرحمنا لا ليعذبنا ولكننا نحن الذين نختار العذاب لأنفسنا بإرادتنا حينما نكفر به ، فإن ما يصير إليه الإنسان من العقاب نتيجة كفره لا لأن الله سبحانه يريد له بئس المصير . . وبماذا يكفر ويمارس الكفر ؟ إنه يكفر بخالقه ورازقه وواهبه الحياة وكل ما يملك ، ويمارس عناده له بنعمه . . بنعمة المال والقوة والصحة والسمع والبصر و . . ! ولعل هذا ما توحي به كلمة « بِرَبِّهِمْ » أي به وبوسيلة نعمه . ( 7 - 9 ) ويفصل القرآن القول في موضوع العذاب مبينا بعض صفات جهنم وأحوال أصحابها حينما يلقون فيها ، لعلنا نتحسس ذلك الغيب ، ونخشى سطوة الله . . فما هي صفات جهنم ؟ . أول صفة لها أنها - كما الحفرة أو الوادي - ذات قعر سحيق ، وقد يكون أول عذاب يواجهه أهل جهنم فيها هو الإلقاء من الأعلى إلى الأسفل ، فعن الإمام الصادق عليه السلام عن الرسول صلى الله عليه وآله عن جبرائيل قال : وَإِنَّ جَهَنَّمَ إِذَا دَخَلُوهَا هَوَوْا فِيهَا مَسِيرَةَ سَبْعِينَ عَاما ] « 1 » ويعلم الله كم هم يقاسون في هويهم من ألوان العذاب ؟ ! . « إِذَا أُلْقُوا فِيهَا » وبناء الفعل هنا للمجهول يدل على أنهم يلقون مكرهين في النار ، وفي النصوص إشارة إلى ذلك ، قال الإمام الصادق عليه السلام : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ يُسْتَكْرَهُونَ فِي النَّارِ كَمَا يُسْتَكْرَهُ الْوَتَدُ فِي الْحَائِطِ ] « 2 » . « سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً » ومن أنواع العذاب ما يسمعه الكافرون حين هويهم في جهنم من عظم شهيقها . والشهيق هو أخذ الهواء إلى داخل الرئة ، وكأن النار يومئذ تُعطى قدرة هائلة

--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 81 ، بحار الأنوار : ج 8 ، ص 280 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 255 .