السيد محمد تقي المدرسي

104

من هدى القرآن

« فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ( 9 ) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ( 10 ) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ « 1 » ( 11 ) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 12 ) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) » . هدى من الآيات : لكي يزرع القرآن خشية الله في القلوب يذكِّرنا بآيات الله وأسمائه ، لأن المعرفة أساس الخشية ، فهي التي تظهر للإنسان عظمة ربه وأنه أهل التقوى ، وتجعله يراه ببصائر قلبه عبر آياته وأفعاله ، فمن خلال سنة الموت والحياة يتحسس خلقه الأشياء ، وملكه لها ، وقهره إياها ، ومن خلال النظر في أنظمة الكائنات يتجلى له قدرته وحكمته ، وإنه لَيَكَلُّ بصره فيعود خاسئا حسيرا دون أن يرى ثغرة في خلق الله وتدبيره ، مما يعزز لديه الإيمان به عز وجل كلما كر ببصره وبصيرته في الكائنات . وحيث يسمو البشر بنفسه وعقله إلى آفاق المعرفة يحضر ذلك الغيب أمامه حضورا يبعثه على الخشية . ثم يذكِّرنا الله بجهنم التي أعدها للكافرين وكيف أنها من شدة حرارتها ذات شهيق ، بل تكاد تتفجر من الغيظ غضبا على أعداء الله ، وأن الوسيلة للخلاص منها هو سماع النذر والآيات واستثارة العقل على أثرهما في الدنيا ، لأن تقصير الإنسان في ذلك هو أعظم الذنوب التي لا يجد مفرا دون الاعتراف بها في الآخرة ، وكيف لا يعترف وتحوطه شهادة الله النافذة ؟ ! . بينات من الآيات : [ 1 ] في أول كلمة من سورة الملك يطالعنا اسم من أعظم أسماء الله وهو « تَبَارَكَ » الذي يقول عنه ( وعن اسمين آخرين يماثلانه في العظمة ) الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام : إِنَّ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى خَلَقَ اسْماً بِالْحُرُوفِ غَيْرَ مُتَصَوَّتٍ ، وبِاللَّفْظِ غَيْرَ مُنْطَقٍ ، وبِالشَّخْصِ غَيْرَ مُجَسَّدٍ ، وبِالتَّشْبِيهِ غَيْرَ مَوْصُوفٍ ، وبِاللَّوْنِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ ، مَنْفِيٌّ عَنْهُ الْأَقْطَارُ ، مُبَعَّدٌ عَنْهُ الْحُدُودُ ، مَحْجُوبٌ عَنْهُ حِسُّ كُلِّ مُتَوَهِّمٍ ، مُسْتَتِرٌ غَيْرُ مَسْتُورٍ فَجَعَلَهُ كَلِمَةً تَامَّةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ مَعاً لَيْسَ مِنْهَا وَاحِدٌ قَبْلَ الْآخَرِ . فَأَظْهَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْمَاءٍ لِفَاقَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهَا ، وحَجَبَ مِنْهَا وَاحِداً وهُوَ الِاسْمُ الْمَكْنُونُ

--> ( 1 ) فسحقاً : أي بُعداً ، وهو دعاء عليهم أي أسحقهم الله وأبعدهم عن النجاة .