السيد محمد تقي المدرسي

84

من هدى القرآن

عن دلالاتها ، ويصر على باطله ، ولكي يتخلص من وخز الضمير ونداء العقل يبحث لضلاله عن تبرير ، وللآيات عن تأويل ، مهما كانا سخيفين ومتناقضين مع أَبْدَهِ المسلمات الوجدانية والعقلية ، كل ذلك تهرُّباً من مسؤولية الاعتراف بالحق . وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ لقد اعتذر المشركون عن الإيمان بالرسالة بأنهم لا يؤمنون بشيء غيبي لا آية محسوسة عليه ، فألحُّوا على الرسول صلى الله عليه وآله بنظرتهم الشيئية أن يريهم من الآيات المادية ما يُصدِّق نبوته ورسالته ، فسأل ربه ذلك ليقيم الحجة عليهم وأعطاه ، إلا أنهم أعرضوا عن الإيمان ، قال علي بن إبراهيم رضي الله عنه : [ فإن قريشاً سألت رسول الله صلى الله عليه وآله أن يريهم آية فدعا الله فانشق القمر بنصفين حتى نظروا إليه ثم التأم فقالوا : هذا سحر مستمر ] « 1 » ، أي دائم ، والسحر لا يدوم ، إنما هو لحظات يخدع فيها الساحر أعين الناس ثم ينتهي ، والمشركون يدركون هذه الحقيقة ، ولكنهم قبلوا أن يضيفوا إلى السحر نوعا جديدا لا عهد لهم ولا للتاريخ به ، ولم يقبلوا أن يكون القرآن رسالة من الله ، لأنه يجعل من الإيمان به وتطبيقه مسؤولية واجبة عليهم ، فهو حينئذ رسالة الله إلى أنفسهم أيضا ، والحال أنهم يسعون بكل ما أوتوا من حيلة ومكر إلى التهرب من المسؤولية ، ويحتمل أن تنطوي كلمة مُسْتَمِرٌّ على معنى القوي أيضا ، والسحر لا قوة له لأنه خيال لا واقع ، وسواء هذا أو ذاك فإن القرآن يثبت أفكارهم وأقوالهم ومواقفهم المتناقضة في ذاتها لبيان بطلانها وضلالة أصحابها . وقد سبق أن قلنا : أن في قولهم : أن الرسالة وآياتها سحر اعترافا بتأثيرها البالغ فيهم ، وبالعجز عن الإتيان بمثله ، وبسلطانه على أفئدة الناس كما السحر ، فيؤخذون بهذا الاعتراف ، وينبذ تفسيرهم لذلك بأنه يشبه السحر ، إذ مستحيل أن يستمر السحر الذي حقيقته التأثير المؤقت في خيال الإنسان . [ 3 ] والآية التالية تؤكد أن التبرير الباطل يساوي عند الله الكذب المحض ، بل هو أشد ، لأن أهداف التكذيب هي ذاتها أهداف التبرير ، وأهمها اتباع الأهواء والشهوات ، إذن فتبرير الإنسان لا يغير من واقعه شيئا ، ولا من جزائه عند ربه ، لأنه تعالى لا ينظر إلى المظاهر ولا يحاسب عليها ، إنما ينظر إلى الحقائق الواقعية ، ويجعلها ميزانا للجزاء ، إنه يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [ غافر : 19 ] . وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ واتباع الهوى هو سبب التكذيب ، كما أنه الهدف منه ، وهذه الآية دليل صريح على بطلان عذرهم ، ورفض الله له مبرراً مشروعاً لإعراضهم عن الحق ، حيث اعتبرهم والمكذبين سواء .

--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 340 .