السيد محمد تقي المدرسي

57

من هدى القرآن

وعن الإمام الصادق عليه السلام : « وَلَوْ أَنَّ المَلَائِكَةَ المُقَرَّبِينَ وَالأَنْبِيَاءَ المُرْسَلِينَ شَفَعُوا فِي نَاصِبٍ مَا شُفِّعُوا » « 1 » . ولا تنفي الآية بقوله تعالى : لا تُغْنِي الشفاعة كليًّا ، وإنما تنفي حتميتها ، كما تؤكد على ضرورة ألَّا تكون علاقة الإنسان بالغير حتى العباد المكرمين كالملائكة والأولياء من الناس مضادة لعلاقته بربه ، ولا بديلا عنها ، بل امتدادا لها ، وقوله : لِمَنْ يَشَاءُ يهدينا إلى أن الشفاعة قضية شخصية تتوجه إلى الإنسان الفرد بذاته بعيدا عن النظر إلى انتمائه ، فقد ينتمي اجتماعيًّا إلى فريق الضالين ولكنها تناله ، وقد تفوته بالرغم من انتمائه إلى فريق المؤمنين ، والذي يحدد الشفاعة هو علم الله النافذ إلى حقيقة الإنسان . [ 27 ] ثم يقول تعالى : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى . والسؤال : لماذا يسمي المشركون الملائكة إناثا ، وما هي علاقة ذلك بالكفر بالآخرة ؟ . لعلنا نجد الجواب في أن الأنثى رمز العطف والحنان ، وهم يسمون الملائكة بذلك رجاء عطفهم وشفاعتهم لهم عند الله ، وبهذا الاعتقاد يحاول المشركون تبرير ممارستهم للذنوب في الدنيا ، وإقناع أنفسهم بإمكانية التخلص من مسؤولياتها في الآخرة بالتوسل بمن يعطف عليهم وهم الإناث من خلق الله وهم الملائكة حسب زعمهم ، وهذا كفر صريح بالآخرة بوصفها داراً للجزاء العادل . [ 28 ] وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وهو الإفرازات ( التصورات والأفكار ) الناتجة من إعمال الإنسان لخياله بعيدا عن البراهين الواقعية . وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً ونفي البعض ينفي الكل ، وليس العكس ، وهو أبلغ في النفي ، فلا شيء من الحق يغنيه الظن أبدا ، والقرآن هنا يستثير قضية وجدانية هي قبح كلام الإنسان فيما لا يعلم ، وقد تحدث هؤلاء عن طبيعة الملائكة وذلك جزء من الغيب المحجوب عن علم البشر بشهادة وجدانه . أوليس عقل الإنسان ينقذ إلى معرفة الأشياء عبر حواسه ؟ أوليس لكل علم أداته ووسيلته ، فما هي الحاسة التي نعلم بها غيب السماوات والأرض ، وما هي الأداة التي تعرف بها طبيعة الملائكة ، وأنهم إناث لا ذكور ؟ ! . إنها مشكلة البشر . إنه يهوى شيئا فيتمناه ، ثم يظن أنه واقع فيسعى وراء ظنه خادعا نفسه .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 42 ، تفسير القمي : ج 1 ، ص 46 .