السيد محمد تقي المدرسي
49
من هدى القرآن
لا يمكن أن تزلزله الشبهات وجدليات الجاهلين ، وأقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلوكياته الشخصية والاجتماعية كلها تدل على أنه لم يكن يتكلف في إيمانه ، وإنما كان ينطلق من قناعة صادقة . أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى إنكم لا يمكن أن تحرفوا مسيرته ، أو تدخلوا إلى نفسه الشك في رسالته ، لأنه على اليقين . قال محمد بن الفضيل سألت أبا الحسن عليه السلام : [ هَلْ رَأَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ؟ . فَقَالَ عليه السلام : نَعَمْ بِقَلْبِهِ رَآهُ ، أَمَا سَمِعْتَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى لَمْ يَرَهُ بِالبَصَرِ وَلَكِنْ رَآهُ بِالفُؤَادِ » « 1 » . و [ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ : مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ، قَالَ صلى الله عليه وآله : رَأَيْتُ نُوراً » « 2 » . [ 13 - 15 ] وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى وذلك يحتمل معاني ، منها أن الرسول صلى الله عليه وآله كان يرى الله متجليا في كتابه ( الوحي ) ، ثم رأى تجليا آخر لربه عندما عرج به جبرائيل عليه السلام إلى الأفق الأعلى ، ودنا من ربه فخاطبه مشافهة ، وقد يكون المعنى : أن جبرائيل عرج بالنبي إلى حيث أوحى له الله ما أوحى ، وهناك رأى ببصره نور الله ، وبقلبه رأى ربه ، ثم عرج به إلى مقام آخر رأى فيه تجلِّياً ثانياً لله عز وجل ، وهو قوله تعالى : عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وهي شجرة في السماء السابعة ( عن علي بن إبراهيم ) « 3 » ، وعن الإمام أبي جعفر عليه السلام : « إِنَّ غِلَظَ السِّدْرَةِ بِمَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا » « 4 » ، وربما سُمِّيت بهذا الاسم : [ لأنها الموضع الذي ينتهي الملائكة إليه بأعمال العباد ] « 5 » ، [ ولأنها منتهى ما يمكن أن يبلغ إليه مخلوق قرباً ودُنُوًّا من ربه ] « 6 » . وقيل : هي « شَجَرَةَ طُوبَى » « 7 » ، وقال علي بن إبراهيم رضي الله عنه هي الشجرة : « الَّتِي يَتَحَدَّثُ تَحْتَهَا الشَّيعَةُ فِي الجِنَانِ » « 8 » ، ولعلها البرزخ بين عالمي الدنيا والآخرة . والآية الكريمة تشير إلى هذا التفسير ، قال تعالى : عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 4 ص 43 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 288 . ( 3 ) تفسير القمي : ج 1 ، ص 21 . ( 4 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 364 . ( 5 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 289 . ( 6 ) راجع تفسير نور الثقلين : ص 155 ، حديث رقم : 41 ، وص 156 ، حديث رقم : 44 . ( 7 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 288 . ( 8 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 335 .