السيد محمد تقي المدرسي

44

من هدى القرآن

وأجابهم : « وَالله لَوْ وُضِعَتِ الشَّمْسُ فِي يَمِينِي ، وَالقَمَرُ فِي شِمَالِي مَا تَرَكْتُ هَذَا القَوْلَ حَتَّى أُنْفِذَهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ » « 1 » ، واضطر من شدة ضغوطهم وأذاهم إلى الهجرة عن مكة ، وكانت القبائل جميعها ترفض إيواءه عداوة له أو خوفا من قريش ، وسار نحو الطائف لعله يجد مفزعا فيها ، ولكنه اصطدم بحقدهم الدفين ضده وضد رسالته ، حيث طردوه وأدموا ساقيه الشريفتين بالحجارة ، لكنه مع ذلك كان يتحدى الواقع المر ، ويسمو بروحه الطاهرة إلى آفاق الإيمان بالله ، فقد جاء في الخبر أنه رفع يديه إلى السماء وقال : « اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . . . » « 2 » . وحينما هاجر إلى المدينة المنورة انطلق منها يقهر القوى العسكرية المضادة ، فحطم كبرياء قريش ، ودمَّر حصون اليهود من أعداء الرسالة وغيرهم ، وإلى حين رفعه الله إليه كان قد جهَّز جيشا ليقاتل الروم القوة العظمى يومذاك ، وبين هذا وذاك بنى أمة وحضارة لا زالت البشرية ولن تزال كلما تقدم بها الزمن والتطور تجد نفسها دون عظمتها . وهو مع ذلك لم تتغير أخلاقه ولا سيرته في العيش ، إنما بقي وهو الحاكم العظيم يربط حجر المجاعة على بطنه ، ويتواضع للصغير والكبير ، أترى من هذه حياته ، ومن جعله الله أسوة مطلقة وصفها بالحسن إلا أن يكون معصوما ؟ ؟ ثم أليست العصمة ألَّا يتأثر الإنسان بالعوامل السلبية ، ولا يخرج من خطه ولا قيد شعرة ؟ بلى ؛ إذن فلندرس حياة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله هل نجد فيها ولو كلمة أو تصرفا يخالف الحق ؟ ؟ . إن من السهل على العاقل أن يميِّز الذي ينطق عن الهوى ممن ينطق عن العقل ، فالذي ينطق عن الهوى لا يَصْدُقُ دائما ، ولا يكون حديثه موافقا للعقل ، إنما يكون تعبيرا عن شهوات صاحبه ، ومتناقضا متقلبا حسب الظروف والمصالح . ثم لننظر إلى الرسالة التي جاء بها النبي هل تخالف العقل والحق ؟ وهل فيها شيء من التناقض ؟ كلا . . إذن فهي معصومة ، ومن عند الله : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] . ثم إنه كان ينقل ما ينزل عليه من الله بأمانة تامة إلى المجتمع لا يغيِّر شيئا أبدا ، وحتى الآيات التي تشتمل على لومه كان يثبتها في الرسالة ، ويبلِّغها للناس ، ولو كان يتبع أهواءه لكان يخفيها عليهم ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ( 73 ) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 9 ، ص 143 . ( 2 ) بحارالأنوار : ج 20 ، ص 20 .