السيد محمد تقي المدرسي

311

من هدى القرآن

للمسلمين كما آتاه سابقا لأهل الكتاب عندما آمنوا برسلهم ، ثم لأن الفضل بيد الله فإنه لا يميز بين عربي وأعجمي ، وسابق ولاحق ، ومواطن وأجنبي ( حسب التعبير الحديث ) ، وقرشي وحبشي ، فكل من آمن واتقى شمله الله بفضله . . وبهذا نجمع بين وجهي التفسير اللذين ذكرناهما آنفا حول الآية . وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الذي يتسع لكل إنسان سعى له سعيه ، فمن أراد منع غيره عنه ، أو تصور أنه لا يتسع له فإنما يستصغر فضل ربه ويستقله ، وهذا شأن النفوس المريضة بعقدة الإحساس بالحقارة والدونية ، والمريضة بالعنصرية والحسد ، وهذا وذاك لا يمت إلى الإيمان بصلة . والآية تشبه إلى حد بعيد قوله تعالى : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الحديد : 21 ] ، فربنا يدعو إلى التسابق بين المؤمنين ، لا إلى التوقف بسبب اليأس ، ولا إلى الصراع بسبب النظرة العنصرية . ولعل ما ورد في مورد نزول الآية يشير إلى بعض ما سبق ذكره . . في مجمع البيان : [ قال سعيد بن جبير بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه ، فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به ، فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلا : ائذن لنا فنأتي هذا النبي فنسلم به ، فقدموا مع جعفر فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا : يا نبي الله إن لنا أموالا ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها ، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين ، فأنزل الله تعالى فيهم الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ إلى قوله : مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين ، فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن به قوله : أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا فخروا على المسلمين فقالوا : يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابنا وكتابكم فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا ؟ فنزل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ الآية فجعل لهم أجرين وزادهم النور والمغفرة ثم قال : لئلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ ، وقال الكلبي كان هؤلاء أربعة وعشرين رجلا قدموا من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو بمكة لم يكونوا يهودا ولا نصارى وكانوا على دين الأنبياء فأسلموا ، فقال لهم أبو جهل : بئس القوم أنتم والوفد لقومكم ، فردوا عليه وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ الآية ، فجعل الله لهم ولمؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه أجرين اثنين ، فجعلوا يفتخرون على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون نحن أفضل منكم لنا أجران ولكم أجر واحد فنزل لئلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ إلى آخر السورة ] « 1 » .

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 9 ، ص 309 .