السيد محمد تقي المدرسي

305

من هدى القرآن

ألا يبادوا ، فوقع اختيارهم على الرهبانية التي تعني توثيق العلاقة بالله ، واعتزال المجتمع الضال . هذه كانت خطتهم التي يرون فيها السبيل إلى أهدافهم ، وهي الالتزام بالإنجيل ، واتباع عيسى ، والمحافظة على أشخاصهم وحيثيات شخصيتهم أن تماث في الواقع الجديد ، ويلخصها القرآن في كلمة هي رضوان الله وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ماذا تعني هذه الفقرة من الآية ، فهل الرهبانية كتبها الله عليهم ، فماذا تعني إذن كلمة ابْتَدَعُوهَا ، وهل هم الذين استحدثوها ، فماذا يعني إذا قوله : مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ؟ . الذي يبدو لي : أن لفظة الرهبانية معطوفة على قوله سبحانه : وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ، حيث إن الله أوجد في قلوبهم عبر الإنجيل وعبر سيرة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ثلاثة أنوار : - نور الرأفة . - نور الرحمة . - نور الخشية من الله والرهبانية . ولكنهم ابتدعوا هذه الرهبانية وغيروا فيها ، كما أن الزهد أساسا فضيلة دعا إليها الإسلام إلا أن طائفة من المسلمين ابتدعوها وجعلوا لها وسائل غير لائقة مما دعا أئمة المسلمين إلى التبرؤ منهم . إذن الابتداع لم يكن في أصل الرهبانية التي تعني الخشية من الله ، وإنما في فروعها من اعتزال المجتمع في الأديرة ، ووضع طقوس خاصة بها ، وعلى هذا التفسير يكون قوله سبحانه : مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ تبيانا للابتداع حيث إن الله كتب الرهبانية عليهم بهدف ابتغاء مرضاته فما رعوها حق رعايتها فحرفوها . وقال البعض : إن الآية تشير إلى أنهم ابتدعوا أصل الرهبانية ابتغاء رضوان الله ، وأن الله لم يكتبها عليهم . وقالوا : ليس بالضرورة أن يكون الإبداع مكتوبا بحذافيره في الرسالة ليكون مشروعا ، بل يكفي أن يكون موافقا وقيم الرسالة والأصول والقواعد العامة فيها ، لأن المهم أن ينطلق من الكتاب ، وينتهي إليه ، ويلتزم به بتصديق الميزان . وهذا من مرونة الدين ، وقدرته على قيادة الحياة المتطورة ، وهو يؤيد الإبداع ، ما دام في حدود رضوان الله وشريعته ، ومن هنا فإن الرهبانية جيدة إن لم تؤد إلى : 1 - التشبث بظاهر الأمور على حساب القيم .