السيد محمد تقي المدرسي
301
من هدى القرآن
ثانياً : الإسلام والقوة والحياة 1 - أما لماذا القوة في الدنيا ما دام الله يحاسب الناس في الآخرة فيجزي المحسن والمسيء ؟ فلأن الابتلاء لا يتم إلا عند توافر شروطه ، فلو أطبقت على الأرض حكومات الضلال وأفرغت على الناس دعاياتها السامة ، دون أن تسمح لأحد بنشر الدعوة إلى الله بينهم ، كيف تتم آنئذ حجة الله على سائر العباد . أوليسوا كانوا يقولون : ربنا لم تبلغنا الدعوة إليك ، ولم نسمع عن رسولك شيئا ؟ إذا لا بد أن يسعى المؤمنون لتوفير جو الامتحان ليهتدي من اهتدى عن بَيَنِّة ، ويضل من ضل عن بينة . 2 - ثم إن الذين يعارضون استخدام القوة من قبل المؤمنين لا ينظرون إلى الجهاد إلا من زاوية المضاعفات السلبية التي تستتبعه ، وبالذات من زاوية بطش الحكومات الفاسدة بالمجتمع والمجاهدين أنفسهم ، في حين يجب عليهم النظر من زاوية المعطيات الإيجابية للجهاد على صعيد الدنيا حيث الحرية والاستقلال والأمن والتقدم وسائر مضامين إقامة القسط ونتائجه ، وعلى صعيد الآخرة حيث رضوان الله وجنته ، وهذه بعض المنافع التي جعلها الله للحديد . وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ فالحديد سلاح يساهم في إقامة القسط ، وهو في الوقت ذاته معدن يتدخل في كثير من الصناعات ومرافق الحياة . وإن السعي لإقامة الحق والعدالة بين الناس يتسبب في صراع مصيري بين أنصار الحق ورسله ( حزب الله ) وأنصار الباطل وأئمته ( حزب الشيطان ) فيميزهم من بعضهم ، فيحقق الهدف الأساس من حياتنا الدنيا إلا وهو الابتلاء وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ من المجاهدين الذين يسعون نحو تحقيق الغاية من الرسالات وهي إقامة القسط ، بلى ؛ السيف وسيلة ذلك ، ولكن سواعد المجاهدين هي التي تحمل السيف وتحارب به الأعداء ، فلا يزعم أحد أن نصرة الله لدينه تتم بصورة غيبية دائما . ويعتبر المجاهدون هذه الغاية هي الأسمى لأن أعظم أهدافهم بلوغ رضوان الله سبحانه ، الذي يعتبر الجهاد أقرب سبله . والنصرة الحقيقية للحق لا تتحقق بمجرد الانتماء إلى صفوف المؤمنين ، ورفع السيف ، والقتال ، وحسب ، كلا . . . فهذا المظهر المطلوب ، بل المهم إلى جانب ذلك أن تكون الدوافع توحيدية نابعة من الإيمان بالله ، لذلك قال ربنا : بِالْغَيْبِ أما الذي ينتمي للمؤمنين ويقاتل معهم بدوافع وأهداف مادية ومصلحية ، أو لأن الآخرين نصروه ، أو لأي شيء آخر لا يتصل بالغيب ، وهو رضا الله وجناته ، فلا تشمله الآية . . ومما يخلص دوافع الإنسان وأهدافه علمه بأنه لا ينصر ضعيفا ولا ذليلا ، وأنه تعالى لم يَدْعُهُ للنصرة عن حاجة وعجز حتى يطلب المقابل ويفرضه عليه بعد النصر ، أو يمن على ربه