السيد محمد تقي المدرسي
298
من هدى القرآن
نَصَبَهُ لِخَلْقِهِ ، قلت : أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ [ الرحمن : 8 ] قال : لَا تَعْصُوا الإِمَامَ » « 1 » . ثالثاً : والعقل يعكس مقاييسه التي فُطِر عليها على مجموعة أدوات يقيس بها الأشياء . أرأيت أن العقل يعرف - عبر البصر - مدى قرب أو بعد الأشياء ، ولكنه التماسا للدقة يعكس ذلك على أدوات العلم ( المتر والكيلومتر ) ، كما يقدر العقل على معرفة مدى حرارة الجسم باللمس ، ولكنه يبدع المحرار ليكون أقرب إلى الدقة ، وهكذا سائر الموازين . إنها تجليات العقل على الطبيعة ، ومن جهة أخرى إنها أدوات لحكم السلطة العادلة ، فلولا القوانين التي تنظم العلاقة وتزن مدى تطبيق القيم على الواقع لم يستطع الإمام فرض العدل على الناس . . وهكذا كان الميزان أساسا هو العقل ( الذي هداه الله لمعرفة المقاييس والمقادير ) ، والإمام الذي هو بمثابة العقل الظاهر ، ثم الأنظمة والأدوات القياسية ، لأنها تهدي الناس للحق والعدل . لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وإقامة الشيء تنفيذه على أصلح وجه ، ومنه إقامة الصلاة إذا مارسها بوجهها الصحيح . والعوامل الثلاثة ( البيان ، الكتاب ، الميزان ) يكمل بعضها بعضا ، وهي كفيلة بأن توفر المناخ المناسب لإقامة القسط ولتحقيق هدف رسالات الله . والقسط - حسب الرازي - والإقساط هو الإنصاف ، وهو أن تعطي قسط غيرك كما تأخذ قسط نفسك ، والعادل مُقْسِط ، قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [ الحجرات : 9 ] ، والقاسط الجائر ، قال تعالى : وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [ الجن : 15 ] « 2 » . وحسب بعض اللغويين : قسط ( بالفتح ) قِسْطاً ( بالكسر ) : عدل ، وقَسْطاً ( بالفتح ) وقسوطا : [ جار وعدل عن الحق ] « 3 » ، ثم اعتبر ذلك من الأضداد . وأنى كان فإن مفردات استخدام الكلمة تدل على أنها ليست مجرد بسط العدالة الظاهرة ، بل هي إقامة العدالة الواقعية التي فيها المزيد من الإنصاف ، وإيتاء الحق لأهله . والآية تصرح بأن إقامة القسط تكون بيد الناس أنفسهم ، فلم تقل : ليقوم الرسل بالقسط بين الناس ، بل قالت : لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ، ولو أن الناس تخلوا عن مسؤوليتهم تجاه العدالة فإن القسط لا يقوم ، لأن رسالات الله توفر للناس فرصة إقامة القسط ، ولم يبعث الأنبياء لفرض العدالة بالإكراه على الناس . وقيام الناس بالقسط يعني العدالة ، وإقامة الحق في سائر جوانب حياتهم ، مع الله ، ومع الرسول ، ومع القيادة الشرعية ، ومع الناس ، بل ومع الحياة ، فيتقون الله حق تقاته ، ثم يختارون الإمام العدل ويسلمون له ويتبعونه ، عن الإمام الرضا عليه السلام :
--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ص 343 . وقد مر في سورة الرحمن تفصيل حول معنى الميزان . ( 2 ) تفسير الرازي : ج 29 ص 242 . ( 3 ) تاج العروس : ج 10 ، ص 380 .