السيد محمد تقي المدرسي

281

من هدى القرآن

بالرسالة التي تشتمل على النظم والمناهج لأبعاد الحياة السعيدة ، واختاروا الأنظمة الفاسدة التي لا ينتج عنها إلا الدمار والانحطاط والعذاب ، وفي الآخرة لأن الطريق الذي اختاروه يهديهم إلى النار . [ 20 ] وحيث إن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، فإن الموقف الخاطئ تجاهها يسلب الإنسان خشوع القلب ، ويجره إلى الفسوق ، ولكن الدنيا في الوقت ذاته مزرعة الإنسان للآخرة وفرصته التي يحدد فيها مستقبله الأبدي ، فلا بد أن يتخذ منها موقفا سليما ، وهذا ما تعالجه بقية آيات هذا الدرس التي تُبصِّرنا بحقيقة الدنيا ، ورسالة الإنسان فيها ، وموقف المؤمن منها . ما هي حقيقة الدنيا ؟ لقد اختلفت البشرية في الإجابة عن هذا السؤال الحساس الذي يراودنا فردا فردا إلى مذاهب عديدة : قال المثاليون إن الدنيا لا واقع لها وما هي إلا خيال ، وذهب المتصوفة إلى أن الدنيا شر محض ، وأن الجسم سجن الروح ، وقال الماديون : إن الدنيا وجدت بالصدفة فليس بعدها من حياة ولا مسؤولية ، انطلاقا من الكفر بالغيب ، وعليه فإن السعيد فيها من أطلق لنفسه العنان يتلذذ من نعيمها ما يشاء . أما الرسالات الإلهية فهي تختلف عنهم جميعا ، حيث اعتبرت الحياة الدنيا مرحلة تتوسط حياة الذر ، والحياة الآخرة ، وحيث كان الإنسان طاهرا ونظيفا وقد قطع على نفسه عهدا وميثاقا وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ بأن يسلِّم لربه ، فإنه يجب عليه المحافظة على ذلك الطهر بالإيمان بالله والاستجابة لدعوة الرسول ، لينطلق نحو الآخرة ويبلغ الجنة من عند الله والرضوان . إن الإنسان لن يبقى في الدنيا ولن تتوقف مسيرته بها ، إنما ينتقل إلى سفر طويل ينتهي به إلى مقره الأبدي ، فعليه أن يكيف نفسه وفق هذه الحقيقة ، فلا ينسى ذلك السفر الحتمي ، فيتعامل مع الدنيا وكأنها دار البقاء ، ولا يدع استعداده لتلك الرحلة الشاقة ، فإذا جاءت ساعته وحل أجله وهجمت منيته ، ليستمع إلى نصيحة إمامه أمير المؤمنين عليه السلام حين يخاطبه فيقول : « أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا أَدْبَرَتْ وآذَنَتْ بِوَدَاعٍ ، وإِنَّ الآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وأَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ ، أَلَا وإِنَّ اليَوْمَ المِضْمَارَ وغَداً السِّبَاقَ والسَّبَقَةُ الجَنَّةُ والغَايَةُ النَّارُ أَفَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ ؟ أَلَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ ؟ أَلَا وإِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ ، فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ ولَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ ، ومَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وضَرَّهُ أَجَلُهُ » « 1 » .

--> ( 1 ) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ، ص 514 .