السيد محمد تقي المدرسي

276

من هدى القرآن

وهب أن الإمام الحجة عليه السلام ظهر بيننا فإنه سوف يقاتل بنا ، ولهذا يأتي أمر الله وتأكيده على ضرورة العلم بهذه الحقيقة ، لأن العلم يقود إلى العمل والسعي ، أما الأمنيات فإنها تكرس السلبية عند الإنسان ، وتشل طاقاته العملية ، إذ لا تثير فيه سوى الخيال والظنون التي لا تغني من الحق شيئا . ولعل قوله تعالى : اعْلَمُوا يقابل قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ [ البقرة : 214 ] ، فهو دعوة لنبذ التمنيات والظنون ، والتمسك بالمعرفة والعلم ، وإذا كنا نريد التأكد من هذه الحقيقة فنعرف كيف يحيي الله الأرض بعد موتها ، فما علينا إلا الرجوع بنظرة موضوعية شاملة إلى آياته ورسالته . من هنا يؤكد الحق تعالى بقوله : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إن العود إلى الآيات الشاهدة على تلك الحقيقة ، سواء المتجلية في التاريخ ، أو في القرآن كفيل بأن يعيد للمؤمنين الثقة بأنفسهم ، ويُصيِّرها علما ثابتا تستوعبه عقولهم ، مع كونها عظيمة وكبيرة يصعب على غير المؤمنين التسليم لها . لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ حيث من أهم أهداف القرآن هو تبصير الإنسان واستثارة عقله . وتوجيه الله لنا إلى آياته فور تأكيده على أنه يحيي الأرض بعد موتها ، يهدينا إلى أن الآيات هي المنهج السليم الذي ينبغي للإنسان الانطلاق منه في الإصلاح ، سواء إصلاح القلب الذي يموت بالقسوة ، أو إصلاح الأرض والمجتمع اللذين يفسدان بالجور والظلم ، كما يهدينا إلى أن عدم خشوع قلوب المؤمنين وتعرضهم شيئا فشيئا للقسوة ناجم عن ابتعادهم عن القرآن ، كما قست قلوب أهل الكتاب ، وفسقوا بنبذ الكتاب وراء ظهورهم ولا سبيل لهم لعلاج هذه المشكلة المستفحلة إلا بالعودة إلى آياته ، التي تخرج من الظلمات إلى النور ، وقبل أن نمضي إلى تفسير الآية اللاحقة هناك ثلاث ملاحظات حول الآيتين : الأولى : أن اليأس من التغيير قد ينطلق من زاوية محدودة في تفكير الإنسان المؤمن ( فردا ، وحركة ، وأمة ) وهي أنه يقيس المسافة بينه وبين التغيير ، وينظر إليها من خلال قدراته وإرادته الذاتية ، فيرى الأعداء أكثر منه عددا وعدة وخبرة ، فيستنتج أنه لا يمكنه تحقيق الانتصار عليهم بإمكاناته المحدودة ، الأمر الذي يزرع اليأس والهزيمة في نفسه ، وربما يقوده إلى التراجع عن المسيرة والاستسلام للواقع عمليًّا ، وهذا خطأ خطير يجب علاجه بالتوكل على الله ، والثقة بنصره ، وأنه يحيي الأرض بعد موتها ، وينصر من يتحركون إلى هذا الهدف بإرادته المطلقة التي لا يعجزها شيء . الثانية : أن الأرض بمن عليها وبما فيها تصبح ميتة في ظل حكومات الجور ، فهي تميت قلوب الناس بالتضليل ، ولا تبقي لأحد منهم حرمة في ماله ، وعرضه ولا دمه ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [ البقرة : 205 ] .