السيد محمد تقي المدرسي
24
من هدى القرآن
* وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ويشير القرآن هنا إلى صفتين مهمتين ( يريدهما المخدوم ) في الغلام ، إحداهما الطاعة ، وغلمان الجنة للمتقين يطيعونهم في كل شيء ، ولا يكونون عليهم فهم ( لهم ) دائما ، والأخرى الشمائل الحسنة ( الجمال ) وذلك مما تميل إليه فطرة الإنسان ، ويُرتجى به الخير عند صاحبه ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « اطْلُبُوا الخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الوُجُوهِ فَإِنَّ فِعَالَهُمْ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ حَسَناً » « 1 » ، ولا ريب في أن الجمال وحده ليس ذا اعتبار في الإسلام ، إنما إذا اجتمع مع طهارة القلب وحسن السيرة ، قال الإمام علي عليه السلام : « لَا يَنْفَعُ الحُسْنُ بِغَيْرٍ نَجابَةٍ [ نَجاحَةٍ ] » « 2 » ، وقد جمع الله الاثنين في غلمان المتقين . [ 25 - 26 ] ويتعمق إحساس أهل الجنة بنعيمها ولذته عند تذكر نعمة النجاة من النار . وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ عن حالهم في الدنيا ، وصفة التشاور والتفاعل بين أفراد المجتمع المؤمن من الصفات الحضارية ، وهي في الآخرة امتداد لما كانوا عليه في الدنيا ، فهم مقبلون على بعضهم ، وعلى العكس من ذلك فإن التمزق والتدابر من معالم التخلف عند الأمم والمجتمعات . قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ إن خشية الله هي التي تبعد الإنسان عن حياة الهزل واللعب إلى حياة الجد والسعي والنَّصَب ، وتزرع في قلبه التقوى ، ومن ثم تدفعه نحو تنفيذ الحق بعزم راسخ . إنها القوة المحركة التي تدفعه نحو التطبيق المستمر والمتقن لمناهج الوحي ، وبما أن الخوف من القوى الأخرى ، والغرور بالذات وبالعمل ، وحب الراحة ، وضغط الشهوة ، وما أشبه ، كلها قيود تُكبِّل الإنسان عن السعي والتسليم لله ، فإن خشية الله تحرر الإنسان من كل تلك القيود . وربما تقابل كلمة المشفقين في هذه الآية كلمة المسرور التي جاءت في قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً ( 11 ) وَيَصْلَى سَعِيراً ( 12 ) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً [ الانشقاق : 10 - 13 ] . والتي تعني الفرح والاختيال ، والله لا يحب المختال ولا الفَرِح ، ذلك أن هذا النوع من السرور ( عدم الجد والمبالاة ) يُضِلُّ سعي الإنسان أو يعطله تماما عن الكدح إلى ربه ، بل ويدفعه نحو أهداف تافهة أو فاسدة . [ 27 ] وإشفاق المتقين ليس لأنهم لا يعملون بطاعة الله ، وإنما لإيمانهم الراسخ بأن العمل وحده لا يدخلهم الجنة ، ولا يخلصهم من العذاب ، إلا بفضل الله ، وتتأكد لهم هذه الحقيقة عند الحساب ، وحينما يصيرون إلى النعيم .
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 12 ص 139 . ( 2 ) غرر الحكم : حكمة 9396 .