السيد محمد تقي المدرسي
237
من هدى القرآن
قَالَ : فَيَقُولُ اللهُ : رُدُّوهَا عَلَيْهِ فَمِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى ، قَالَ : فَإِذَا حُمِلَ سَرِيرُهُ حَمَلَتْ نَعْشَهُ المَلَائِكَةُ وَانْدَفَعُوا بِهِ انْدِفَاعاً وَالشَّيَاطِينُ سِمَاطَيْنِ يَنْظُرُونَ مِنْ بَعِيدٍ لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ وَلَا سَبِيلٌ ، فَإِذَا بَلَغُوا بِهِ القَبْرَ تَوَثَّبَتْ إِلَيْهِ بِقَاعُ الأَرْضِ كَالرِّيَاضِ الخُضْرِ فَقَالَتْ كُلُّ بُقْعَةٍ مِنْهَا اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فِي بَطْنِي ، قَالَ : فَيُجَاءُ بِهِ حَتَّى يُوضَعَ فِي الحُفْرَةِ الَّتِي قَضَاهَا اللهُ لَهُ ، فَإِذَا وُضِعَ فِي لَحْدِهِ مُثِّلَ لَهُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَزَوْجَتُهُ وَوُلْدُهُ وَإِخْوَانُهُ ، قَالَ : فَيَقُولُ لِزَوْجَتِهِ : مَا يُبْكِيكِ ؟ . قَالَ : فَتَقُولُ : لِفَقْدِكَ تَرَكْتَنَا مُعْوِلِينَ ، قَالَ : فَتَجِيءُ صُورَةٌ حَسَنَةٌ ، قَالَ : فَيَقُولُ : مَا أَنْتَ ؟ فَيَقُولُ : أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ أَنَا لَكَ اليَوْمَ حِصْنٌ حَصِينٌ وَجُنَّةٌ وَسِلَاحٌ بِأَمْرِ الله ، قَالَ : فَيَقُولُ : أَمَا وَالله لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي هَذَا المَكَانِ لَنَصْبْتُ نَفْسِي لَكَ وَمَا غَرَّنِي مَالِي وَوُلْدِي ، قَالَ : فَيَقُولُ : يَا وَلِيَّ الله أَبْشِرْ بِالخَيْرِ ، فَوَ الله إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِ القَوْمِ إِذَا رَجَعُوا وَنَفْضَهُمْ أَيْدِيَهُمْ مِنَ التُّرَابِ إِذَا فَرَغُوا قَدْ رُدَّ عَلَيْهِ رُوحُهُ وَمَا عَلِمُوا . قَالَ : فَيَقُولُ لَهُ الأَرْضُ : مَرْحَباً يَا وَلِيَّ الله مَرْحَباً بِكَ ، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أُحِبُّكَ وَأَنْتَ عَلَى مَتْنِي فَأَنَا لَكَ اليَوْمَ أَشَدُّ حُبّاً إِذَا أَنْتَ فِي بَطْنِي أَمَا وَعَزَّةِ رَبِّي لَأُحْسِنَنَّ جِوَارَكَ وَلَأُبْرِدَنَّ مَضْجَعَكَ وَلَأُوَسِّعَنَّ مَدْخَلَكَ ، إِنَّمَا أَنَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ » « 1 » . [ 89 - 94 ] هذا كان حال الإنسان إذا كان من المقربين عند الموت وبعده وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ( 90 ) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ قيل : المعنى أن الملائكة تبشره بالأمن والسلام والعاقبة ، وهو أكبر ما يطمح إليه الإنسان ، فهم يؤمنونه من غضب الله وعذابه الذي يحل بأصحاب المشأمة ، فيقولون له : أنت في سلام لأنك من أصحاب اليمين . وقيل : يعني إن سألت عنه فهو سلام : كقولنا : أحمد إليك ربي ، أي إن سألت عني فأنا أحمد الله ، وكما لو سألت شخصا عن صاحبك فيقول : كما تحب في عافية ، أو يقول : يدعو لك إنه بخير ، أو : يسلم عليك هو في عافية . قال القرطبي : [ أي لست ترى منهم إلا ما تحب من السلامة فلا تهتم لهم ، فإنهم يسلمون من عذاب الله ] « 2 » ، ويبدو أن هذا المعنى هو الأقرب . ويحتمل أن الكلام هنا عن صفة علاقتهم بالرسول ( ومن خلاله كل مؤمن تالٍ للقرآن ) في الدنيا قبل الموت . إنها ليست علاقة العداء والتكذيب ، وإنما هم في تسليم له ، وسلام تجاهه ، وليسوا كأصحاب المشأمة الذين يعادونك يا رسول الله ويكذبون برسالتك . وفي روضة الكافي : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : « هُمْ شِيعَتُكَ » « 3 » ، والآية تتسع إلى هذا المعنى بدليل
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 207 - 209 . ( 2 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 233 . ( 3 ) الكافي : ج 8 ، ص 260 .