السيد محمد تقي المدرسي
233
من هدى القرآن
لأنه حديث الله المفروض تطبيقه والالتزام به على الخلق ، ولا يجوز أن يبرر ذلك بأنه قد تعرض للضغط لأن علامة الإيمان تحدي الضغوط ، وتفضيل الآخرة على مصالح الدنيا وشهواتها . وإنما سقط الغابرون عندما خارت عزائمهم عند مواجهة التحديات فأخذوا يتهاونون في أمر الدين ، ويلينون أمام الصعاب . وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ كذب الذي يزعم أن رزقه من العباد فأخذ يداهنهم ، أو من الأنواء فطفق يستدرها بدل أن يشكر بارئها ، فقد يكون الناس سببا للرزق ، ولكن اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات : 58 ] ، فلا يجوز مداهنتهم وتكذيب الحق للحصول على لقمة الخبز ، بل الله يجب أن يخاف ويتقي ، لأنه إذا منع الرزق لا يقدر أحد على منحه ، وإذا منح فلا يقدر أحد على منعه . وبهذا نعرف أن تفاسير الآية المختلفة تعود بالتالي إلى تفسير واحد : أنهم قد زعموا خطأ أن رزقهم بالتكذيب مداهنةً للناس ، ولعل هذا الزعم هو مورد استشهاد النصوص التي جعلت الرزق بمعنى الشكر حسب مورد النزول المروي ، ذلك أن زعم أهل الجاهلية أن الأنواء هي التي تمطرهم هو كزعم هؤلاء أن التكذيب سبب لرزقهم . وهذا التفسير ينسجم مع السياق الذي يستهدف تركيز الإيمان بالله وحده والتصديق بأنه الخالق الرازق ( الآيات : 57 - 74 ) وبالأخص إذا لاحظنا قوله : فَلَوْلا تَشْكُرُونَ في الآية ( 70 ) . قال علي بن إبراهيم : « إِنَّ عَلِيًّا عليه السلام قَرَأ بِهِمْ الوَاقِعَةَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَقُولُ قَائِلٌ لِمَ قَرَأَ هَكَذَا قَرَأْتُهَا لأَنِّي قَدْ سَمْعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ ، وَكَانُوا ( أي أهل الجاهلية ) إِذَا أُمْطِرُوا قَالُوا : أُمْطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا فَأَنْزَلَ اللهُ : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ] « 1 » ، وجاء في تفسير القرطبي يعلل استبدال كلمة الرزق بالشكر في المعنى : [ لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه ، ويكون الشكر رزقا على هذا المعنى ، فقيل وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أي شكر رزقكم الذي لو وُجِدَ منكم لعاد رزقكم ، إنكم تكذبون بالرزق ، أي تضعون الكذب مكان الشكر ، كقوله تعالى : وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [ الأنفال : 35 ] أي لم يكونوا يصلون ، ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصلاة . ففيه بيان أن ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط الذي جرت العادة بأن تكون أسبابا ، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة ، أو صبر إن كان مكروها ] « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 349 . ( 2 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 228 .