السيد محمد تقي المدرسي

220

من هدى القرآن

فرضت علينا ليست بالصدفة ، بل هي بإرادة متصرف في الحياة ويمضي في مصائرنا وأرزاقنا ما يشاء ، فيرزقنا أو يمنعنا ويحرمنا متى شاء وكيف شاء . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ إذن فأرزاقنا يقسمها مُقَسِّم هو الخالق تعالى ، وما دام هو الزارع ، فبيده الحرمان ، فلماذا نشرك به أو نكفر ؟ وما دامت إرادته نافذة في الحياة لا يمنعها مانع فلماذا نشك في البعث ونصير في لبس من خلق جديد ؟ أولا يكفي ذلك دافعا إلى التصديق به واليقين برسالته ؟ . [ 68 - 70 ] ثم للنظر إلى الماء وبالذات ذلك الذي نشربه وترتكز عليه حياتنا وحياة كل كائن حي ، إننا لم ننزله من السحاب . أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ولا ريب أننا لا نستطيع الادعاء بإنزاله من قبلنا ، وأكبر دليل على ذلك أننا لا ندري متى ينزل . وإذا غطت السحب سماءنا لا نملك التصرف في إنزاله وبالكيفية والمقادير الطبيعية ، وهذه الحقيقة يقبلها الجميع ، ولكن أورد البعض هنا شبهة ، فقالوا : إن المطر نتيجة عوامل وقوانين طبيعية ، تبدأ من تبخر مياه البحار والمحيطات والأنهار بفعل الشمس ، وتنتهي بالغيث مرورا بصعود الأبخرة في طبقات الجو العليا ، وهي عملية يفعلها النظام المجرد ، ولا نحتاج معها إلى افتراض وجود إرادة ( الخالق ) تجري العملية بسببها ، وهذه من أعقد مشاكل الإنسان مع العلم . يقول الدكتور بخنر الألماني : [ بما أننا لم نجد ظاهرة واحدة في هذا الكون الرحيب من أبعد نقطة اكتشفناها في الفضاء وإلى أقرب جرم إلينا لم نجدها شاذة عن النظام الكوني . فليس لنا حاجة إلى افتراض وجود الله . ( ولكن الحقيقة ) أن عدم وجود شذوذ في النظام ، أو شمولية النظام في الكون لا يكون دليلا على عدم وجود الخالق ، بل يكون دليلا قاطعا على وجود من خلق النظام وهو الله الخالق العظيم وإلا فمن جعل هذا النظام وقدَّره وأجراه . وبعد هذا فهل كله خاضع للنظام ، أو هل أثبت العلم الحديث هذا النظام ، لنسمع ( هايزنبرغ ) العالم الفيزيائي يقول - في نظام الذرة - : إن من المستحيل علينا أن نقيس بصورة دقيقة كمية الحركة التي يقوم بها جسيم بسيط وأن نحدد في الوقت عينه موضعه في الموجة المرتبطة به بحسب الميكانيكا الموجية التي نادى بها ( لويس دوبروغلي ) فكلما كان مقياس موضعه دقيقا كان هذا المقياس عاملا في تعديل كمية الحركة ، ومن ثم في تعديل سرعة الجسيم بصورة لا يمكن التنبؤ بها ، ومهما تعمقنا في تدقيق المقاييس العلمية ابتعدنا أكثر عن الواقع الموضوعي .