السيد محمد تقي المدرسي
218
من هدى القرآن
عز وجل والذي يتجلى لخلقه في كل شيء حتى لا يجهلوه في شيء ، إنها آية الزراعة ، التي تعرفنا من جهة بربنا ، وتضع أمامنا من جهة ثانية صورة واضحة وقريبة لواقع البعث والنشور ، حيث نضع البذرة في التراب ، فلا تلبث بعد أن نصب عليها الماء أن تصير نبتة ، ثم تستوي على سوقها تحكي الحياة بكل روعتها وعنفوانها . أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ إنه لا يحدثنا عما لا نزرعه من الأشجار والنباتات لأن عدم صنعنا فيها ثابت فهي إذن من عند الله ، إنما يحدثنا عما نزرعه بأيدينا ونحرث له ، والحرث هو قلب الأرض ووضع البذور فيها ، والرؤية في الآية منصرفة إلى رؤية البصيرة كما هي في الآيات ( 58 ، 68 ، 71 ) ، ونحن بعد أن نرى بهذا المعنى ينبغي لنا أن نجيب عن السؤال : ءأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ فنحن حينما نُعْمِل بصرنا وبصيرتنا ونطلع على الواقع الذي تتم فيه الزراعة حيث مئات الآلاف من العوامل والقوانين التي نجهل أكثرها ، ولسنا نحن الذين أوجدناها ، أو نسيِّرها فإنه حينئذ يتأكد لنا أنه تعالى الذي يزرع ، أما دورنا في الحقيقة فليس إلا الحرث والسقي وما أشبه ، وكل ذلك يكون بنعم الله وحوله وقوته . وحين تصفو رؤية الإنسان وتجلو بصيرته يلامس قدرة الله وتدبيره ويؤمن بمدى سعة القدرة وحسن التدبير ، خصوصا المزارع حيث تحيط به آيات الخليقة ، ويتعامل مع الأنواء والتراب والماء ويُعايش نمو النبات وجماله وتجليات القدرة الإلهية فيه . وترغِّب النصوص الدينية المؤمنين في التعامل مع الزراعة بهذه البصيرة ، قال الإمام أبو عبد الله عليه السلام : « إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَزْرَعَ زَرْعاً فَخُذْ قَبْضَةً مِنَ البَذْرِ واسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وقُلْ : أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ءأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ تَقُولُ : بَلِ اللهُ الزَّارِعُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ قُلِ : اللهُمَّ اجْعَلْهُ حَبّاً مُبَارَكاً وارْزُقْنَا فِيهِ السَّلَامَةَ ، ثُمَّ انْثُرِ القَبْضَةَ الَّتِي فِي يَدِكَ فِي القَرَاحِ ( الأرض الخالية ) » « 1 » . وقال عليه السلام : « إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَتَوْا مُوسَى عليه السلام فَسَأَلُوهُ أَنْ يَسْأَلَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أَنْ يُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ إِذَا أَرَادُوا ، ويَحْبِسَهَا إِذَا أَرَادُوا ، فَسَأَلَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ لَهُمْ فَقَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ : ذَلِكَ لَهُمْ يَا مُوسَى ، فَأَخْبَرَهُمْ مُوسَى فَحَرَثُوا ولَمْ يَتْرُكُوا شَيْئاً إِلَّا زَرَعُوهُ ، ثُمَّ اسْتَنْزَلُوا المَطَرَ عَلَى إِرَادَتِهِمْ وحَبَسُوهُ عَلَى إِرَادَتِهِمْ فَصَارَتْ زُرُوعُهُمْ كَأَنَّهَا الجِبَالُ والآجَامُ ، ثُمَّ حَصَدُوا ودَاسُوا وذَرَّوْا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئاً ، فَضَجُّوا إِلَى مُوسَى عليه السلام وقَالُوا : إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ أَنْ تَسْأَلَ اللهَ أَنْ يُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْنَا إِذَا أَرَدْنَا فَأَجَابَنَا ثُمَّ صَيَّرَهَا عَلَيْنَا ضَرَراً فَقَالَ : يَا رَبِّ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ضَجُّوا مِمَّا صَنَعْتَ بِهِمْ ، فَقَالَ : ومِمَّ ذَاكَ يَا مُوسَى ؟ قَالَ : سَأَلُونِي أَنْ أَسْأَلَكَ أَنْ تُمْطِرَ السَّمَاءَ إِذَا أَرَادُوا وتَحْبِسَهَا إِذَا
--> ( 1 ) الكافي : ج 5 ، ص 262 .