السيد محمد تقي المدرسي
216
من هدى القرآن
[ 60 - 61 ] ومن حقيقة الخلق تنطلق بنا الآيات إلى الموت ، إنه أيضا مفروض علينا فرضا فلا نعلم أجلنا . ولا نقدر على دفعه إذا حل بساحتنا ، ولو كنا الذين خلقنا أنفسنا فلماذا لا نخلقها بطريقة تتحدى الموت ؟ إذن فربنا هو الذي خلق الموت والحياة ، وهو الذي يحيي ويميت ، متى يشاء وأين وكيف . نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ فهو يجري بحكمة إلهية دقيقة ، فبالرغم من تعرض البشرية لألوان من الموت الجماعي ، بسبب الوباء ، والحروب الطاحنة ، أو الفردي بالأسباب الطبيعية إلا أنها تزداد يوما بعد يوم وتبقى في توازن من الحفاظ على الجنس . ولو كان يجري الموت اعتباطا وبلا حكمة لربما انقرض النوع البشري منذ زمن بعيد في مثل طوفان نوح عليه السلام . إنما الله هو الذي يقدر الموت بين الناس ، ويقهرهم به وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [ الأنعام : 18 ] ، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ النحل : 61 ] . وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ والسبق هنا بمعنى الغلبة والعجز ، فربنا القاهر فوق عباده ، وليس سبحانه مقهورا بقوة أنى كان نوعها ، فكما سبق الأشياء بالخلق لا من شيء فهو سبحانه يعدمهم متى ما شاء كيف شاء ، لا يسبقه شيء ، ولا يعجزه أو يغلبه . وتأتي كلمة مسبوقين لتوحي إلى حقيقة تظهر قدرة الله من زاوية أخرى ، وهي أنه تعالى أوجد المخلوقات ابتداعا ، من غير مثال يحتذي به سبقه به غيره . والسؤال ماذا يعني تبديل الأمثال ؟ . 1 - هلاك الإنسان أو جيل واستبداله بغيره ، والبشر لا يقدرون على الوقوف أمام الإرادة الإلهية ومنع تبديلها قال تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ( 40 ) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 41 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ [ المعارج : 40 - 42 ] . 2 - تبديل مثل الإنسان بالنظر إلى صفاته المادية والمعنوية ، فإن مثل الإنسان المحدود لا تستحيل عودته عند المقتدر القوي ، فإنها ليست بأعظم من خلق السماوات والأرض ، وتدبير شؤونهما ، وتنظيم عمليات التغيير والتبديل التي تجري كل لحظة فيها ألا ترى كيف يدبر الرحمن أمر الحياة فيميت الأرض ثم يحييها بالغيث ، أو يعجزه إعادة الإنسان بعد الممات في الحياة بمثل هذه الطريقة ؟ قال الله تعالى : وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 98 ) * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم [ الإسراء : 98 - 99 ] ، وقال عز من قائل : أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ يس : 81 - 83 ] .