السيد محمد تقي المدرسي

205

من هدى القرآن

« وَالكِتَابُ الإِمَامُ فَمَنْ نَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَانَ كَمَا قَالَ : فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَمَنْ أَنْكَرَهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشِّمَالِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ : وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 ) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ إلى آخر الآية ] « 1 » ، وهنا نجد السياق القرآني يختلف عما سبق ، فحين ذكر أصحاب اليمين من بعد السابقين لم يبين صفاتهم ، وهنا يذكر صفات أصحاب الشمال مما يثير التساؤل : لماذا ؟ ويبدو أن الإجابة تتوضح إذا عرفنا أن الإنسان خُلِقَ أساسا ليكون من أصحاب الجنة . أوليس خلقنا ليرحمنا ؟ فدخول النار شذوذ عن هدف الخلقة لا بد أن نبحث عن سبب له ، وهكذا يبين القرآن عوامل دخول النار التي من تجنبها تفضل الله عليه بالجنة ، والأسلوب القرآني بديع في بيان موجبات النار حيث يجعل بيانها مسبوقا ببيان جانب من العذاب الشديد ، ثم يلحقه بإشارة إلى ألوان أخرى منه أيضا ، وذلك لكي يخوفنا من مصيرهم ، فما هو مصيرهم ؟ إنهم : فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ والسموم الريح الحارة التي تدخل مسام الجسم ، ولعله في الآخرة نوع من النيران يعذب به أصحاب المشأمة ، قال تعالى : وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [ الحجر : 27 ] . ولعل اللفح بريح السموم يوم القيامة متولدة من حركة ألسنة النار وتداخلها في بعضها ( المرج ) ، وهو يصيب ( أصحاب الشمال ) بحره إضافة إلى كونهم في جهنم مباشرة تحيطهم من كل جانب وصوب . أما الحميم فهو السائل الفائر المغلي إلى درجة عالية ، من حَمَّ الماء إذا وضعه على النار وسخَّنه ، قال تعالى : فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ [ الواقعة : 54 ] ، وقال : كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [ محمد : 15 ] ، من شدة حرارته . والحرف ففِي يفيد الإحاطة الشاملة . والذي يظهر من تعبير القرآن ب - فِي أنه يسقط الزمن من الحساب ، بالرغم من أن ظاهر الآيات - الذي يلاحظه المتدبر - أنها تنصرف إلى المستقبل [ يوم الدين ] ، وقد أراد ربنا بذلك هدايتنا إلى حقيقتين : الأولى : أن العذاب والثواب حقائق واقعية يعيشها الإنسان في الدنيا فور مبادرته إلى عمل الخير والشر ، لأن السيئات والحسنات ذاتها هي التي تصير نارا أو جنة في الآخرة ، بيد أن الناس محجوبون عن هذه الحقيقة الحق . قال تعالى : كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [ الجاثية : 28 ] ، وقال : إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [ الطور : 16 ] ، ووَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [ الزمر : 24 ] .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 11 .