السيد محمد تقي المدرسي
20
من هدى القرآن
فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ مهما بلغ الإنسان في الدنيا من الملك والغنى فإنه لا يحس بتمام الراحة ، إما لنقص في النعم أو لنقص فيه ، فلذته محدودة ، وهي تتعب صاحبها مهما أوتي من ثراء عريض ، وآخر ما قرأناه في ذلك أن واحدا من أصحاب البلايين دفع أخيرا مبلغ ربع مليون دولار وسيارة ثمنا لقتله بعد فشله في عدة محاولات انتحار ، ففعل الأجير ذلك مأثوم . هكذا لا تتم نعم الدنيا لأحد . وفي الجنة يبلغ المؤمن غاية اللذة ، فهو لا يعاني من نقص ينغص عليه ، كما أن الله يرزقه حالة الرضا بنعمته ، فلا يحس بالشبع ، إنما يستلذ ويستلذ بالنعيم أبدا وبلا ملل . قال الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله مُبيّناً ثواب المؤمن : « فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ بِزَوْجَةٍ قَدْ كَادَتْ يَذْهَبُ نُورُهَا نُورَ عَيْنَيْهِ ، قَالَ : فَتُنَادِيهِ قَدْ آنَ لَنَا أَنْ تَكُونَ لَنَا مِنْكَ دَوْلَةٌ . قَالَ : فَيَقُولُ لَهَا : وَمَنْ أَنْتِ ؟ . قَالَ : فَتَقُولُ : أَنَا مِمَّنْ ذَكَرَ اللهُ فِي القُرْآنِ : لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ فَيُجَامِعُهَا فِي قُوَّةِ مِائَةِ شَابٍّ ، وَيُعَانِقُهَا سَبْعِينَ سَنَةً مِنْ أَعْمَارٍ الأَوَّلِينَ ، وَمَا يَدْرِي أَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهَا أَمْ إِلَى خَلْفِهَا ، أَمْ إِلَى سَاقِهَا » « 1 » . وقال الإمام الصادق عليه السلام : « إِنَّ الرَّجُلَ فِي الجَنَّةِ يَبْقَى عَلَى مَائِدَتِهِ أَيَّامَ الدُّنْيَا وَيَأْكُلُ فِي أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِمِقْدَارِ أَكْلِهِ فِي الدُّنْيَا » « 2 » . ومن أعظم النعم التي يبلغها المتقون هي نعمة الشكر لله التي تزيدهم نعيما إلى نعيمهم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُم [ إبراهيم : 7 ] ، ويكون الإحساس بالنعيم وبالتالي الشكر أعمق عند الاطلاع على أهل الجحيم بين ألوان من العذاب مما يذكِّرهم بلذة النجاة منها ، وهذا يوضح العلاقة الوثيقة بين ذكر الله للتفكه بالنعيم ، وذكر نجاة المتقين من النار وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . [ 19 ] كما تتميز الجنة من الدنيا بإباحة نعيمها جميعا لأصحابها ، فلا حرام فيها ، ولا مكروه ، ولا تكليف ، ولا مسؤولية ، إنما يأكلون ويشربون ما يشاؤون . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً ولا يكون الأكل أو الشرب هنيئا إلا إذا كان ذاته طيبا ، ومذاقه لذيذا ، وكان نافعا لا يعقبه ضرر ، ولا يتصل به ما يسلب صاحبه الراحة أو الاطمئنان أو المتعة ، ولكن لا طريق إلى تلك النعم إلا بالعمل الصالح ، لذلك يترافق مع دعوة المتقين إلى النعيم كُلُوا وَاشْرَبُوا بيان لهذه الحقيقة :
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 214 . ( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 228 ، بحار الأنوار : ج 8 ، ص 182 .