السيد محمد تقي المدرسي
192
من هدى القرآن
والسخرية ، وانتهاءً بالتجويع ، والتعذيب ، والنفي ، والقتل ، ومرورا بالمقاطعة الاجتماعية ، فإذا تحداها ، وانتصرت الرسالة ، برزت صعوبات جديدة حيث تقبل الدنيا عليه بكل ما لها من إغراء النساء ، وزينة المال والأولاد ، وشهوة الرئاسة والسلطة ، فإذا تحداها واجه تياراً اجتماعياً جديداً من الذين التحقوا بالركب طمعا في الدنيا ، وانبهروا بزخارفها ، وأخذوا يفرِّغون الدين من محتوياته ، ويبدِّلون الكلم عن مواضعه . وبكلمة : إن حياة السابقين سلسلة من الصراعات التي لا تنتهي . . . فهو إذن بحاجة إلى جهاد متواصل ، كما أنه بحاجة إلى مبادرات مستمرة ، وقرارات حاسمة وتاريخية ، لا ينفك عنها حتى يأتيه اليقين ، وذلك عندما يلقى ربه راضياً مرضيًّا . والسابقون هم الأولون قدما نحو الخير ؛ وإيمانا ومعرفة ببصيرتهم ووعيهم ، وعملا بتوكلهم على الله ، وثقتهم بأنفسهم ، وشجاعتهم حيث يكسرون بذلك طوق العادة ، ويخرجون من جاذبية المحيط ، ويتجاوزون السقوف المصطنعة بالريادة والمبادرة والإبداع ، وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [ المائدة : 54 ] . وهم الأسبق كمًّا ونوعاً في الخير ، ولا يرون النوع من زاوية التقوى والإخلاص فقط ؛ إنما من زاوية الإتقان أيضا لقوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : 2 ] . أما فاعلية السبق فهي ترتكز عند هذا الفريق على الأمور التالية : 1 - طموح الإمامة والقيادة . وهو طموح مشروع في الإسلام ، قال تعالى يحكي صفات عباده المقربين : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [ الفرقان : 74 ] ، ولكنهم لا يبحثون عن هذا الطموح من خلال الحسب والنسب ، أو المقاييس المادية الأخرى ، إنما يسعون إليه عمليًّا بالحق ومن خلال الكفاءة ، والسبق أهم شروطها ، كما قال ربنا سبحانه : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً [ الإسراء : 80 ] . 2 - التنافس في الخير مما يفرض عليهم الأخذ بكل أسباب التفوق ، ولكن بعيدا عن حالات الصراع النفسية والعملية ، كقوله سبحانه : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [ البقرة : 148 ] . 3 - الرغبة في ثواب السابقين ، والخشية من التقصير . قال تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ( 60 ) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [ المؤمنون : 60 - 61 ] . ويبدو أن السابقين في كل أمة هم طليعة تلك الأمة وشهداؤها ، وهم الحواريون الذين يلتفون حول القيادة الإلهية الرشيدة ، وقد جاء في الحديث عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :