السيد محمد تقي المدرسي

177

من هدى القرآن

نعم ربنا التي لا تعد ولا تحصى - والتي هي آية على رحمانيته - يمكننا أن ننكرها ونكذب بها ؟ ! ثم لماذا نكذب بآلاء الرحمن ؟ ! وإنه يكشف لنا عن غيب رحمته ، ويفتح لنا أبوابها ، ثم يدعونا بلطفه لكيلا تفوتنا ، بلى ، قد تفوتنا الجنتان الأوليان ولكن دعنا نتقيه ما استطعنا لندخل الجنتين الأخريين ، أوليست هذه نعمة وآية تدلنا إلى رحمته ؟ . [ 68 - 69 ] ثم لننظر إلى آياته ونعمه في الطبيعة من حولنا ، ولنستمع إلى كتابه وهو يحدثنا عن جنتين هما دون الدرجات العلى ، ولكنهما مظهر لرحمته تفوقان خير الدنيا ونعيمها . فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وقد اختلف المفسرون في تحديد العلاقة بين الثلاثة ( الفاكهة والنخل والرمان ) فقال بعضهم : إن الفاكهة اسم الجنس العام وما يليها تفريع وتخصيص ، واعتبر البعض الثلاثة أجناسا مختلفة ، وليس ثمر النخل أو الرمان من الفاكهة ، وقال آخرون : إنه ذكر الجنس ( الفاكهة ) وأشار إلى أفضلها وأحسنها ( ثمر النخل ، والرمان ) لقول الإمام الصادق : « الفَاكِهَةُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ لَوْناً سَيِّدُهَا الرُّمَّانُ » « 1 » ، ولقوله عليه السلام : « خَمْسٌ مِنْ فَوَاكِهِ الجَنَّةِ : - منها - الرُّمَّانُ . . . وَالرُّطَبُ » « 2 » . والذي يهمنا أن الله ذكر الاثنين مثلا مما في الجنتين للإشارة لا للحصر . ومع ذلك تبقيان ( أي الجنتين ) دون الأوليين علوًّا وسعةً ونعيماً ، فهناك قال الله فيهما فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ ليس واحدة ، بل زَوْجَانِ ، وهنا قال فِيهِمَا فَاكِهَةٌ فقط ، وربما قصرت الكلمة عن استيعاب الجنس بكل مفرداته وأنواعه ، وهذه المفارقة تشبه إلى حد بعيد قوله في سورة الواقعة يصف ما في جنات السابقين المقربين : وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ [ الواقعة : 29 ] ، وقوله يصف جنات أصحاب اليمين الأقل منهم درجة : وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( 32 ) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [ الواقعة : 32 ] . فلأولئك ما يتخيرون ويشتهون حتى ولو لم يكن موجودا قبل التخير والشهوة ، ودون ذلك هؤلاء ، ولا غرابة فربنا يقول وهو الصادق : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [ الحديد : 10 ] . إن الجنتين إذا نظرنا إلى نعيمهما وإن كانتا دون الأوليين فهما حقًّا مظهر لاسم الرحمن ، إنه غني أن يخلقنا ولكنه بلطفه وحكمته خلقنا ، ثم لم يدعنا هكذا إنما فطرنا على الحق والمعرفة به ، فهدانا إلى النجدين ، وعلمنا ، ثم أعطانا العقل ، وأمرنا بالطاعة له ، وفتح لنا باب التوبة حتى تبلغ النفس التراقي ، وهو قادر بعد الموت ألَّا يبعثنا ، وإن بعثنا عذبنا ، ولكنه خلق الجنة ليكرمنا

--> ( 1 ) الكافي : ج 6 ص 352 . ( 2 ) الكافي : ج 6 ، ص 349 وفيه : « خَمْسٌ مِنْ فَوَاكِهِ الجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا : الرُّمَّانُ الإِمْلِيسِيُّ وَالتُّفَّاحُ الشَّيْسَقَانُ وَالسَّفَرْجَلُ وَالعِنَبُ الرَّازِقِيُّ وَالرُّطَبُ المُشَانُ » .