السيد محمد تقي المدرسي

16

من هدى القرآن

وقد أيد صاحب المجمع رضي الله عنه ذلك عن علي عليه السلام « 1 » ، وفي السقف دلالة على السلام والأمن . وقد يكون من المصاديق الظاهرة والقريبة للكلمة طبقة الغلاف الجوي المحيطة بالأرض ، حيث تصد النيازك والشهب عن الوصول إلى الأرض ، كما تمتص وتحجب كميات من الوحدات الحرارية والضوئية الساقطة على الأرض من الشمس وغيرها ، التي من شأنها لو سقطت بكلها أن تضر بالحياة عليها . وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ قيل : [ يسجر يوم القيامة ] « 2 » ، يدل عليه قوله تعالى : وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [ التكوير : 6 ] ، أي صُيِّرت محمية كالنار والتنور ، ويبدو لي أن المسجور الممتلئ والمتلاطم الموج ، وهكذا في المنجد قال : [ سجر التنور : ملأه وقودا وأحماه ، والماء النهر ملأه ، والبحر فاض ، وسجر البحر هاج وارتفعت أمواجه ] « 3 » . والعلاقة بين هذه الأشياء التي أقسم بها الرب قد تكون علاقة المعنى بالمادة ، والمدنية المادية بحضارة القيم ، فلو أخذنا ريشة ، وحاولنا رسم صورة أو تصور عن مجموع ما ذكر لكان التالي : جبال + عمران مدني + السماء + البحار ( ذات الأثر الكبير في تحضر الشعوب ) + ذلك المجتمع الذي تحكمه رسالة الله ( الكتاب ) ، وهذه هي معالم الحضارة الأساسية . [ 7 - 8 ] ومن الغلط أن يعتمد الإنسان على نعم الله ، ويسخرها دون أن يحسب حسابا للعذاب فيضل أو يتعاطاها بعيدا عن بصيرة الإيمان ، إنما ينبغي أن يكون من العقلاء ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [ آل عمران : 191 ] ، وهكذا من التعرف على هدفية كل شيء حوله يهتدي الإنسان إلى هدفه في الحياة فيسعى له ، ومن الشهود الذي يراه ويتحسسه ينفذ ببصيرته إلى الإيمان بالغيب . . ومن هنا تكون العلاقة واضحة ووثيقة بين ما تقدم من الآيات وهذا التأكيد على العذاب . إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ويبدو أن المقصود بالعذاب هو المعنى الشامل كما في الدنيا وما في الآخرة يدل عليه قوله في آخر هذه السورة : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ الطور : 47 ] ، ذلك أن عذاب الدنيا نفحة من عذاب الآخرة ، ودليل عليه ، ونذير

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 9 ، ص 209 . ( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 331 . ( 3 ) المنجد : باب سجر .