السيد محمد تقي المدرسي

150

من هدى القرآن

الحقائق . . لا إلى كيفية وقوعها وطريقة تحققها ، فمثلا إذا قال ربنا سبحانه : وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [ الفجر : 22 ] ، فإن غاية المجيء وهو الحضور والشهادة قد تحققت أما الكيفية التي نعرفها من مجيء البشر بالانتقال من مكان لمكان ، فإنها لا تتصور في الله الذي وسعت رحمته كل شيء ، وهو الشاهد على كل شيء . كذلك إذا قال سبحانه : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ المائدة : 119 ] ، فإن نتيجة الرضا تتحقق ، وهي الرحمة والعطاء لا ما يحدث عندنا من مقدماته كالانفعال الإيجابي في النفس ، وهكذا الغضب الإلهي معناه ما ينتهي إليه الغضب من الانتقام لا مقدماته ومبادئه من جيشان الدم وتوتر الأعصاب ، ومثل ذلك الحب والعطف والحنان والكره والبغض و . . و . . فربنا سبحانه متعالٍ عن الكيف والأين والتحول و . . وفي الآية لا يعني سَنَفْرُغُ لَكُمْ أن ربنا كان مشغولا عنهم بحيث لم يتسع لهم وقته ، ولم تحتمل قدرته بما عنده من الشؤون ، كلا . . سبحانه لا يشغله شأن عن شأن ، إنما الغاية من الفراغ تمام التدبير والقدرة والجزاء ، ومنه قولنا : تفرَّغ فلان للعمل أي انصب عليه بكامل قدرته ووعيه وإرادته ، والآية تشير إلى أن الله أعطى الثقلين حرية نسبية في الدنيا ، أما في الآخرة فالأمر لله وحده يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] . ولك أن تتصور شيئا من الرهبة التي تحملها إلينا كلمة سَنَفْرُغُ ، إذا علمت أنه تهديد من رب العزة والقدرة المطلقة ، إلى مخلوق ضعيف محدود كالإنسان الذي « تُؤْلِمُهُ البَقَّةُ وَتَقْتُلُهُ الشَّرقَةُ وَتُنْتِنُهُ العَرْقَةُ » ، كما يصفه الإمام علي بن أبي طالب « 1 » ، ويكفي هذا الوعيد العاقل الذي يُلقي سمعه شهيدا أن يتورع عن التكذيب بآيات ربه ونعمه ، لأن ذلك مما يوجب عذابه ، وإن الله يوم القيامة يوقف عباده للسؤال عن النعيم ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ [ التكاثر : 8 ] ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [ الصافات : 24 ] . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ومن صور التكذيب بَذْلُ النعمة في غير موقعها ، أو أخذها من الحرام ، والاستعانة بها في مخالفة الحق ، كالعين ينظر بها إلى أعراض الناس ، والأذن يستمع بها الغيبة والنميمة والغناء واللغو ، والرجل يمشي بها إلى المعصية ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « أَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ ، وَعُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ جَمَعَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ حُبِّنَا أَهْلَ البَيْت » « 2 » . [ 33 - 36 ] ويفتح الله آفاق الطموح أمام الإنسان بعيدا عن الأساطير البشرية ليسجل

--> ( 1 ) نهج البلاغة : الحكمة : 419 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 12 .