السيد محمد تقي المدرسي
146
من هدى القرآن
( 100 % ) ولا يعطي ضمانة للعلاج مئة بالمئة لماذا ؟ لأن هناك هامشا مجهولا في المرض والعلاج ، فالأمراض تتداخل أعراضها ، كما أنه قد لا يستقبل الجسم الدواء ، لذا يقول : هذا مرضك حسب الظاهر ، وهذا دواؤك إن شاء الله . ومن الطب إلى كل جانب وميدان في الحياة هناك دائما فراغ في القوانين الطبيعية لا يقدر علم الإنسان وقدرته أن يملآنه إنما هو خاص بمشيئة الله سبحانه . من هنا لا يثق أحد كل الثقة بما أوتي من علم وقوة ، بل يظل في ريب من أن المستقبل قد يحمل إليه ما لم يحتسبه . بلى ، لقد علمته تجارب لا تحصى أنه ليس مليك الكائنات ، بل ولا يملك نفسه ، فكم قد خطط لمستقبله فقلبت المتغيرات خططه ، وكم قد عقد عزائم قلبه على شيء ففسخت المفاجآت عزائمه . وهكذا ينطوي ضمير كل إنسان على أن يد الغيب تهيمن على الخليقة لا يده ، ويمثل هذا حجة بالغة تهدينا إلى ربنا سبحانه . وصدق أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال : « عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ العَزَائِمِ وحَلِّ العُقُودِ ونَقْضِ الهِمَمِ » « 1 » . فالإنسان يصنع المكوك الفضائي « 2 » ، ويصرف عليه المال الكثير ، صناعة ودعاية ، وقبل إطلاقه يقوم العلماء بالحسابات الدقيقة عبر العقول الإلكترونية ، وإذا به ينفجر في الفضاء ويتحول تحديًّا مضادًّا ، ونكسة لا زالت آثارها قائمة في نفوسهم وحيرة في عقولهم ، وهكذا تتجلى الإرادة الإلهية المطلقة في بعض الظواهر لكي تعيد الإنسان إلى رشده وتثنيه عن أن ( يتحدى ) خالق الكون . يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لأنه وحده الإله والقادر على قضاء حوائجهم وتحقيق طموحاتهم . والسؤال ليس مقتصرا على الإنس والجن والملائكة ، بل يشمل كل الخلق العاقل والبهيم ، والجامد والمتحرك ، لأنه ما من شيء إلا ويفتقر إلى الله ، وما من شيء إلا وله لغة مع الله تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [ الإسراء : 44 ] ، وليس من طريق للإنسان لكي يبلغ طموحاته بفضل الله ، ويرفع عن نفسه كل عقبة وأذى بتوفيقه ، قبل العمل وبعده إلا الدعاء ، قال تعالى : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ [ الفرقان : 77 ] ، وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [ غافر : 60 ] ، وقال أمير
--> ( 1 ) نهج البلاغة : حكمة 250 . ( 2 ) تشالنجر أي التحدي أطلقته الولايات المتحدة وانفجر في عام 1986 م .