السيد محمد تقي المدرسي
140
من هدى القرآن
هدى من الآيات : « لَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبِّ أُكَذِّبُ » إنها العبارة التي ينبغي أن نكررها كلما تساءل السياق القرآني فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ، ولكن هل يكفي أن نكرر ذلك شعاراً دون معرفة وتطبيق ؟ كلا . . فماذا يعني إذن التكذيب بآلاء الله ، وكيف نصدِّق بها ؟ . هناك فريقان من الناس يكذبون بآلاء الله . الأول الذين لا يعتقدون بالنعمة ، لأنهم ينظرون إلى الحياة من خلال رؤية مشؤومة ، ونفسية معقدة فإذا بكل شيء عندهم نقمة ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً [ الفرقان : 60 ] ، والفريق الآخر هم الذين يعترفون بالنعمة ، ولكنهم ينكرون عمليًّا أنها من الله فتراهم يتوجهون بالشكر إلى غيره وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ فصلت : 37 ] ، وهذا نوع من التكذيب أيضا فالذي لا يؤمن برب النعمة أو يشرك به لا يشكره عليها ، ومن لا يشكر النعمة لا يعمل على ضمان استمرارها ونموها ؟ ، والاستفادة منها في مواردها السليمة ، أليس ذلك كله مرهونا بالشكر على وجهه الصحيح ؟ جهاز الهضم عند الإنسان مثلًا ( الفم ، المريء ، المعدة ، الأمعاء ) ينبغي أن نستفيد من هذه النعمة ، فالذي يعلم أنها من الله ، سوف يبحث عن برنامج الرسالة في الأكل والشرب ، نوع الطعام والشراب المطلوب ، ومقداره ، وطريقة استهلاكه ( آداب الأكل والشرب ) أما الآخر المكذِّب بالله فلن يلتزم بحد في ذلك ، سيسرف فيهما ولن يمتنع عما يضره كالخمر ولحم الخنزير ، وهذا نوع من التكذيب أيضا ، وكذلك يكذب بالنعمة الذي يستخدم الثروة من أجل استغلال الآخرين والسيطرة عليهم ، والإسراف والتبذير على النفس ، كما أن الذي يتخذ السلطة وسيلة للقهر والاستعلاء هو الآخر يكذب بآلاء ربه . والذي لا يستخدم النعمة في الخير لنفسه وللبشرية ، وبالتالي لا يعمل على ضمان استمرارها باستمرار عواملها ، فإنه ليس فقط يُحرم من نموها ، بل ويجعلها عرضة للزوال وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [ إبراهيم : 7 ] ، إذن فتطبيق قولنا : « لَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبِّ أُكَذِّبُ » يكون بالتزام شكر النعمة دائما ، وذلك يعني أن نعترف بأنها نعمة فعلا ، وثانياً أن نعرف أنها من الله فنشكره قولا ، ونطبق منهجه عملا ، وهذا هو التصديق بآلاء الله .