السيد محمد تقي المدرسي
10
من هدى القرآن
أهلهم ، وجلين من عذاب جهنم ، فقد وقاهم ربهم - بمنه - عذاب السموم ( الآيات : 17 - 27 ) . وبعد أن نشاهد هذه اللوحة التي تثير اشتياق النفوس الكريمة ، يتناول السياق ما يبدو أنه الموضوع الرئيسي للسورة ، وهو معالجة حالة الجدل في الحقائق الواضحة ، وذلك بتسفيه الأعذار التي يتشبث بها الإنسان للتهرب من قبول الحق ، وهي مظاهر مرض الجدل الخطير . لقد قالوا : إن الرسول كاهن أو مجنون ، وقالوا : بل هو شاعر فإذا مات انتهت دعوته ، وقالوا : إنه افتراه . كل تلك الدعايات تتلاشى حينما يضعها الإنسان في إطار الحقائق الكبرى ، ويتصور نعم الله التي يسبغها عليه ( من الطور وكتاب مسطور والسقف المرفوع و . . و . . ) وعندما يتحسس يوم القيامة عندما تمور السماء موراً ، وتسير الجبال سيراً ، كذلك تتلاشى أفكار مشابهة مثل التفكير في عدم الحاجة إلى البارئ ( الآيات : 27 - 34 ) . ويتساءل السياق : إذن هل هم خلقوا أنفسهم ؟ أم أنهم خُلِقوا من غير شيء ؟ ومن الذي خلق السماوات والآرض ؟ كلا ؛ بل لا يوقنون ، وهذه هي مشكلتهم الأولى ، ومن يريد الفرار من الحقيقة الواضحة لا يجد أمامه سوى هذه الخرافات ( الآيات : 35 - 36 ) . ويمضي الذكر الحكيم في بيان ضلالاتهم وتفنيدها ، فمن يا ترى يسيطر على خزائن السماوات والأرض ؟ ثم يقولون : إن لله البنات ، فهل لهم البنون ، ولله ما يعتبرونه الأدنى أي البنات ، ما لهم كيف يحكمون ؟ ( الآيات : 37 - 39 ) . أم تراهم يخشون من دفع غرامة إن هم آمنوا ، أو يُطالبوا بأجر ، أم أنهم يعلمون الغيب بوضوح فيعتمدون عليه في تخرصاتهم ؟ . وبهذه التساؤلات الحادة المتتالية يستثير القرآن عقولهم ووجدان ضمائرهم حتى يروا بطلان تلك الأفكار بأنفسهم ( الآيات : 40 - 41 ) . ثم يقول : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ، ويبدو أن هذا هو جواب التساؤلات ، ولكن ليعلموا أنهم هم المكيدون ، وأنه لا إله إلا الله الواحد لا شريك له ، وأنه لا علاج لمثل هؤلاء عندما يرون العذاب ، فيقولون : سحاب مركوم . فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ، ذلك اليوم الذي لا تنفعهم فيه مكائدهم ، وليس هناك من ينصرهم وينجيهم من صعقةالعذاب ( الآيات : 42 - 46 ) . وبعد أن يذِّكر القرآن أولئك الكفار بأن عذاب الدنيا نذير لعذاب الآخرة ، يأمر الرسول والمؤمنين بالصبر لحكم الله ، فإنه وإياهم في رعاية رب العزة ، ويأمره وإياهم بالتسبيح ليلًا وعند الأسحار ( الآيات : 47 - 49 ) .