السيد محمد تقي المدرسي

80

من هدى القرآن

واعتذر البعض بأن هذا من باب الإنصاف والتلطف في الحوار . ولا أستحسن هذا التفسير ، بالرغم من ميل كثير من المتأخرين إليه ، لأنه لا ينسجم مع النهج الذي نعهده في بصائر القرآن في قضايا التوحيد ، والله العالم . ويمكن اعتبار إِنْ هنا وصلية قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ سواء بالتجزيء أو تشريفا لخصوصية النبوة وبعض الامتيازات ، فقد كانوا الأكثر عبادة ورفعة من عبد الرحمان فاتخذهم الله ولدا تشريفا كما تحكي هذا التوهم : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] . فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ في رتبة العبودية وكما أنني الأوّل في درجات العصمة والولاية والرسالة بين الأنبياء ، إذن فأنا أوّل وأولى مَن يُتخذ ولدا لهذه الكرامة العليا . لكن هل يكون العبد ربّاً ، وهل يظهر من الأنبياء تجاه الرب إلا العبودية ؟ فإذن العبودية تنفي النسبة التشريفية بالولد ، كما تنفي النسبة الذاتية بالطبع . وهذا التفسير يبدو لي واضحا ومتفقا مع سائر الآيات ، كما هو متفق مع مساق تفسير الرعيل الأول من المفسرين . . ومن جهة أخرى يبدو أن الآية تنفي أيضا الأسس والتوالي الفاسدة لنسبة الولد إلى الله سبحانه ، ذلك أنهم زعموا أن الأعظم مالا يكون الأقرب إلى الله ، وتسقط عنه المسؤوليات ، كلا . . إذا كانت الولادة صحيحة - وهي غير صحيحة - فإن الأقرب إلى الله هو الرسول ، وليس أصحاب المال ، ونحن حين نرى أقرب الناس إلى الله أشدهم خوفا منه ، وأكثرهم عبادة له ، وأعظمهم تمسكا بالدين ، فإننا نهتدي ألا شريك له ، ولا يجوز لغير الرسول - بطريقة أولى - أن يتهرب من المسؤولية بدعوى أنه ابن الله أو منتم إلى ابن الله . إن من أهم الدواعي إلى الغلو في الدين ، وادّعاء الصلة النسبية ، وإن تشريفا بين ربِّ العرش سبحانه والأنبياء عليهم السلام كعزير عند اليهود ، والمسيح عند النصارى - التهرب من المسؤولية ، بدعوى أن ابن الله ينجيهم من عذاب الله ، ويفدِّيهم بنفسه للخلاص من نقماته ، وبدعوى أنهم أولاد الله ، بانتمائهم نسبيا أو سببيا إلى الله . ألم يزعم اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه ؟ أوَلَم يتخذوا من تلك العقيدة الفاسدة تبريرا لعدوانهم على سائر الناس ، والقول بأنه ليس عليهم في الأميين سبيل ؟ ! كذلك زعم الجاهليون العرب أن انتسابهم إلى إبراهيم الخليل عليه السلام يكفيهم فخرا ، ومن الله قربى ! أولم يزعم بعض المسلمين أن مجرد حبهم للرسول وأهل بيته صلى الله عليه وآله وأصحابه يغنيهم عن العمل ؟ ! .