السيد محمد تقي المدرسي

57

من هدى القرآن

بما أثار فيهم من حب الشهوات الرخيصة ، فأطاعوه ، لأن الإنسان حينما يملك العقل والإيمان فإنه سيكون رصينا وموزونا ، لا تحركه العواصف ، ولا تزيله القواصف ، بينما إذا فقده كان كريشة تتقاذفه الرياح . ويبدو أن المقارب المقابل للخفة هو الرشد . لما يتطلب الرشد من تمييز بين الحسن والقبيح ، والخفة تُضَيِّع التمييز كأنه معدوم بسبب اتباع الهوى . والسؤال عن ضياع الرشد وقدرة الطاغوت على الاستخفاف بالعقول . في هذا المقطع الذي يتحدث فيه عن المجتمع القبطي أشار إلى ما يلقي بعض الضوء ، فلنتأمل الأمور الآتية : ألف : الضحك والاستهزاء من الدعوة الجديدة . فإن الكفار يلهون أنفسهم بأعمال لا هدف لهم ليعرضوا عن سماع الحق . واللعب عموماً سمة البشر العامة في الحياة الدنيا ، إذ أنه يميل إلى عدم الجد والاجتهاد ، قال الله تعالى : مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [ الأنبياء : 2 - 3 ] . وملامح هذه العقلية غير الجادة السادرة في الترف واللهو تتداعى لتنتج ما سجلته الآيات من نكث بالوعد ؛ حيث تعهدوا بالإيمان إن كشف موسى عليه السلام عنهم العذاب . وذلك أن ثقافة اللهو تستخف بحرمات وحقوق الآخرين . وتنتج من جهة أخرى التكذيب والاستهزاء بالنذر والحقائق التي يذكروا بها . باء : المقاييس المادية في تقييم الذات والآخرين وسائر الأشياء . حيث القيمة لأسباب المال والقوة لا الخير والحق . جيم : التفكير السطحي . فبين ثقافة اللهو ومقاييس المادة سيكون الوعي والنظر سطحيا لا يتجاوز ظواهر الأمور . فالمجتمع القبطي كان نخبة المجتمعات المتعلمة ورائدها ومع ذلك تعاملوا بسطحية مع نبي الله موسى عليه السلام . كانوا يعرفون التاريخ وكانوا يدركون قصص الأمم السابقة وسر المدنية والقوة ، وكانوا يدركون أن تلك الأمم أصابها الانحراف وكذبت الأنبياء فلم تنفعها قوتها . فلم لا يعتبرون ! . كان الهوى والشهوة تحجب أبصارهم فلا ترى إلا ظواهر الأمور المادية والآنية العاجلة ، فلم يمتلكون نظرا ينفذ للمستقبل والتبصر بعواقب الأمور . كانت الغرائز والعصبيات تحكم سجونها على عقولهم ، وتحجب معها العقول الفطرية