السيد محمد تقي المدرسي

52

من هدى القرآن

القرآن مثلا من فرعون الذي اغتر بزينة الحياة الدنيا ، واستعبد الناس بها ، فكانت نهايته الأليمة أن أغرقه الله وجنده ، وما هذه العاقبة وأمثالها من الظالمين ببعيد . لقد جاء موسى عليه السلام إلى فرعون لكي يحدد له العلاقة السليمة بالطبيعة ، فله أن يسخرها ويستفيد منها ، لا أن يركن إليها ، ويطمئن بها ، لأنها متغيرة ، وكل متغير زائل ، بَيْدَ أن فرعون آثر الكفر على الإيمان ، ورفض الانقياد لرسالة الله ، وقيادة موسى عليه السلام . ويركز الله في هذه القصة على علاقة الإنسان بالطبيعة ، فقد اعتقد فرعون أنه ما دام يملك مصر ، وأن الأنهار تجري من تحته ، فلا بد أن يكون هو ملك الناس وموجههم دون موسى عليه السلام الذي جاءه بمدرعة الصوف ، وبيده عصاه التي يتوكأ عليها ، ويهش بها على غنمه ، غافلا عن أن قيادة الحياة ليست للأغنى أو الأعتى بل للأصلح . وتتناسب هذه الآيات والآية التي تقول : وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ، لأن أهل الجاهلية - كما فرعون - اعتقدوا بأن الأصلح للحكم هو الأغنى وليس الأصلح الأقرب إلى الله عزَّ وجلَّ . كما هي مثل للقرين الذي يقيضه الله لمن يعشو عن ذكره ، حيث إن فرعون حين وجد قوما فاسقين استخفهم ، وأثار فيهم النزعات الشريرة والشهوات العقيمة ، فقال لهم : ألا ترون - يا قومي - أني ملك مصر ، كما بيدي تنظيم أنهارها . هل أنا خير أم هذا الذي لا يتزيَّن بأسورة من ذهب ، ولا تصف وراءه جنوده ( من الملائكة ) ؟ ! وهكذا يصدُّ الطغاة - وهم قرناء السوء - الغافلين عن ذكر ربهم ، ويزينون لهم سوء أعمالهم ليحسبوا أنهم مهتدون ! وأخيرا : يضرب القرآن بهذه الآيات مثلا لعاقبة المستهزئين بالرسالات ، الذين ازيَّنت الدنيا في أعينهم ، فعبدوها وقاسوا كل شيء بزخرفها ، كيف يحيط بهم ما عبدوه ، ويكون هلاكهم بما افتخروا به . ألا ترى كيف تبجَّح فرعون بالأنهار التي تجري من تحته فأطاعه قومه بذلك فأغرقهم الله فيها ؟ ! هكذا يضرب الله للناس الأمثال . وللسياق هنا محوران : الأول : ما يتعلق بموسى عليه السلام وفرعون . الثاني : ما يرتبط بفرعون وملئه ، الذين لم يتدخلوا لحسم الحوار للحق ، فاستحقوا العذاب بسبب سكوتهم عن فرعون واتباعهم لهم .