السيد محمد تقي المدرسي

49

من هدى القرآن

فعلا المجتمع الرباني المنشود . ولقد جاءت رسالات السماء جميعا وفي طليعتها القرآن الكريم لتحقيق هذه الغاية السامية ، ولكن كيف ؟ بتهوين الدنيا ، وحطِّ شأنها ، لكي لا تصبح بما فيها من زخرف مقياسا ، ثم بالنهي عن اتخاذ المترفين فيها قادة ، وأخيرا ببيان الرابطة الشيطانية التي تنتهي بأصحابها إلى النار . وإذا كان حب الدنيا أرضية فإن قيادة المترفين الشجرة . أما ثمرتها فهي الصلة بين قرناء السوء . ويبدو أن السياق ذكرَّنا أولا بهوان الدنيا على الله حتى أعطاها للكفار ، ثم أخذ يبصِّرنا بحقيقة قرناء السوء في هذا الدرس ، حيث نستوحي منه بصائر حكيمة في الروابط الاجتماعية ، ذلك أن للعلاقة الاجتماعية - بالذات تلك التي ترتكز عليها البنى التحتية للمجتمع - قاعدة ، فقد تكون الأرض قاعدة التجمع فتنشأ الصلة الوطنية والإقليمية ، وقد تكون اللغة هي القاعدة فتنمو الحالة القومية ، وقد تكون المصالح العامة التي تنمو وتتسع إلى الحالة الإمبريالية ، وقد تتجلى في صورة الأممية البروليتارية . والصلة التي تربط في هذه الحالات جميعا بين الإنسان والإنسان هي صلة مادية ناشئة من التراب ، بينما رسالات الله تريد صلة أخرى هي صلة الروح ، صلة الحب الإلهي ، صلة القيم الربانية ، وهذه الصلة قائمة على أساس ذكر الله . وهي تستنزل رحمة الله ، وتنمِّي قيم الفضيلة والخير والإحسان ، كما تحافظ على الحق والعدل والحرية ، بينما الصلات الأخرى تستدرج البشر إلى نقمة الله ، وتطمس معالم الحق ، ولا تنمي الخير ، بل تساهم - عادة - في إشاعة الفحشاء ، وبث روح الاعتداء والظلم . فإذا بحثنا عميقا في أسباب الشقاء والعداء وعوامل الصراع والحرب والاعتداء بين الناس ، سواء داخل التجمع الواحد أو بين الأمم ، فلن نجدها سوى هذه الصلات الجاهلية النابعة من حب الدنيا وزخرفها . والقرآن هنا يحذِّرنا من الوقوع في هذه المهالك ، ويأمرنا بالتمسك بالوحي ، فمن عشا عنه فقد قرن به شيطان ، يبعده عن السبيل ، ويزين له السيئات . ويبدو أن باطن هذه الآيات التبصير بدور القرين في حياة الإنسان ، والقرين قد يكون زوجة أو زوجا أو صاحب السبيل أو زميل الدراسة أو شريك التجارة أو الجليس والأنيس ،