السيد محمد تقي المدرسي
47
من هدى القرآن
اختيارهم ، والنار تسع الجميع وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ أي لا يجديكم نفعا أنكم تتمنون التباعد عن بعضكم ، إذ إنه جاء متأخرا بعد أن ظلمتم أنفسكم إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ . قالوا : لا ينفعكم اشتراككم في العذاب شيئا إذ لا تتقاسمون العذاب بل لكل الحظ الأوفر . وقالوا : لا يتسلَّى أحد بعذاب غيره فليست هنالك البلية إذا عمت طابت ، لأن العذاب هنالك لا يطيب لأحد أبدا ، لأنه شديد ودائم . ولأن قرناء السوء في خصام دائم مع بعضهم فلا يسلى أحد أبدا . [ 40 ] وحين يُضِلِّ قرين السوء صاحبه يكون مثله مثل الأصم والأعمى أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ كلا . . لأن جهاز الاستقبال معطل عنده فكيف يستمع ، وقد قال الشاعر : لقد أسمعت إن ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ كلا . . لأن من انحرف عن الطريق قليلا ترجى أوبته إليه ، ولكن الذي شط بعيدا حتى أحاطت به الضلالة كيف يمكن هدايته . هكذا ينبغي اليأس عمَّن استبد بقلبه حب الدنيا فأخذ يقيس كل شيء بالمال والجاه ، والقوة الظاهرية . إنه في ضلال مبين ، ولا يعجبك ما عنده فتفكر في كسبه بأية وسيلة فتقدم له التنازلات من دينك ومواقفك ، كلا . . ما عند الله خير وأبقى . [ 41 ] إن عاقبة هؤلاء العذاب في الدنيا وقبل العذاب الأكبر عند ربهم ، وسواء تم ذلك بعد وفاتك أو في حياتك فإنهم معذبون ، فلا تغررك أموالهم وأولادهم ، ولا يحزنك مكرهم ودعاياتهم ، ولا تستعجل عليهم فإن العذاب الذي ينتظرهم شديد . فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ إن وجود الرسول والمؤمنين بين الكفار قد يؤخر عنهم العذاب إلى أجل محدود ، قال الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الأنفال : 33 ] . [ 42 ] وقد يعذب الله الكفار في عهد الرسول وبمشهد منه أو من الدعاة من أتباعه ، لكي يريهم قوته ويقرَّ أعينهم بنصره . أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فلا تنفعهم ثروتهم أو قوتهم شيئا .