السيد محمد تقي المدرسي
27
من هدى القرآن
فانتقم الله منهم بسبب تكذيبهم . ويكشف الانتقام أنهم مسؤولون عن مواقفهم ، اعترفوا بها أو لم يعترفوا . وهكذا يتبين حقيقة كفران الإنسان ؛ وأصله الجهل بمقام الله والجهل بأنه لا يتشبه بخلقه أبدا . بينات من الآيات : [ 15 ] لقد بيَّن القرآن حقيقة الفصل الأبدي بين الخالق والمخلوق حتى لا يُضفَى على الخالق من صفات المخلوقين شيء ، ولا ينعت المخلوق بصفة من صفات الخالق ، لأن الخالق لا يشبهه شيء . وذكرنا بسفاهة كل المعتقدات الجاهلية التي تخلط بين صفات الخالق والمخلوق ، التي تنبعث - فيما يبدو - من النظرة الشركية إلى المخلوق وإعطائه الذاتية والقيمة من دون الله . وكان من معتقداتهم السفيهة أن جعلوا لله البنات ، وزعموا أن فيها جزءاً من الله . وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً فقسموا الله جزأين : أحدهما من ذاته ، والآخر من عباده . أوَلَيسَ الولد امتدادا لوالده ، حيث ينتقل جزء من الوالد فيه حتى يصبح بضعة منه ، هكذا زعم القائلون بالحلول أن جزءاً من الله ينتقل إلى بعض عباده فيصبح نصف إله ، ويكتسب قداسة بين سائر عباده ، وينتمي إلى ذي العرش انتماء نسبيا كما زعم النصارى أنه ثالث ثلاثة سبحانه وتعالى عما يصفون ، وكما يزعم المترفون أنهم يختلفون ذاتيا عن سائر خلق الله . أولم يفقهوا أن كل من خلقه الله هو عبد لله ونسبته إلى الله نسبة المخلوق إلى خالقه ، وبأن خلقهم ليس من ذات الخالق وإنما يبدعه بأمره لا من شيء إذ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [ الإخلاص : 3 ] ، وهم جميعا أمامه سواء من حيث الذات ومقام العبودية . ومن السَّفَهِ أن يجعل له جزءاً من عباده دون جزء بل هم جميعا له ، ولكن في مستوى العبودية وعلى صعيد المخلوقية . إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ إنه جحود متجاهر بجحده . . أولًا : لأنه يجحد بآيات ربه ، ويتنكر نعمه عليه ، انطلاقا من كبر في نفسه وبوعي منه وإصرار ، لأنه لا يريد أن يسلِّم لأمره ويطيع أولياءه . ثانياً : لأنه يساوي بين من أنعم عليه كل هذه النعم السابغة وبين عباده العاجزين ، فيقول أن بعض العباد شركاء لله ، وينسب إليهم من دون الله النعم .