السيد محمد تقي المدرسي
18
من هدى القرآن
بحكمة الابتلاء في الدنيا ، ولماذا يحلم الله عن المذنبين ، ومن ضعف إرادته في مقاومة الشهوات يسير فيها بلا حدود أو قيود . ويتناسب ذكر الإسراف والمحور الرئيس للسورة وهو الالتزام بحدود معينة في الانتفاع بالحياة الدنيا . [ 6 - 7 ] إن الرسول كالطبيب إنما يزور المرضى ، كذلك تزداد فرص ابتعاث الأنبياء بالرسالات عند انحراف الناس واتخاذهم شريعة الإسراف سبيلا . هكذا بعث الله الأنبياء إلى الناس سابقا ، وهكذا مضت سنته وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ إلا أنهم كانوا يواجهون بالاستهزاء ، ولعل الاستهزاء أسوأ موقف اعتادت عليه الأمم ، لأنه موغل في الصلف وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون والاستهزاء بالرسل عادة مضت في الأولين ، كما أن ابتعاث الرسل سنة إلهية . [ 8 ] ولكن هل منع هذا الاستهزاء جريان سنة الله في بعث الرسل أو في إهلاك المستهزئين ؟ كلا . . لأن الله لا يضره كفر من كفر ، كما لا ينفعه إيمان من آمن فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً فلقد أخذ الله من هو أشد جلدا وأكثر عددا من العرب المكذبين ، والآية تشير إلى ضعة الجاهليين العرب وضعفهم لعلهم يستفيقون عن جنون كبرهم وغرورهم ، ولايستهزئون برسالات ربهم ، ولا يسترسلون مع تقاليدهم العفنة في الشرك والفساد والإسراف . وقد تكررت الآيات التي تشير إلى ذلك لأن علاج الغرور والاسترسال ومن ثم الاستهزاء هو بيان نقاط ضعفهم ، قال ربنا في سورة الأحقاف : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ [ الأحقاف : 26 ] . وقد قالت الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام تصف حال العرب قبل الإسلام : [ . . وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ ، مُذْقَةَ الشَّارِبِ ، وَنُهْزَةَ الطَّامِعِ ، وَقَبْسَةَ العَجْلَانِ ، وَمَوْطِئَ الأَقْدَامِ ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ ، وَتَقْتَاتُونَ الوَرَقَ ، أَذِلَّةً خَاسِئِينَ ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ . . . ] « 1 » . وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ قالوا : أي سبق القول في تصريف الأمثال ، وبيان عبرة الأولين ، كما قال ربنا سبحانه : وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ [ إبراهيم : 45 ] . ويحتمل أن يكون المعنى : أنه قد تحقق مثل الأولين ، وانتشرت عبرتهم في الآفاق مثلا ، والله العالم . [ 9 ] ويستمر استهزاؤهم بالحق في الوقت الذي يعترفون بأن من خلق السماوات والأرض عزيز حكيم ، حيث تتجلى عزته في متانة الصنع ، كما تتجلى حكمته في دقة النظم
--> ( 1 ) الاحتجاج : ج 1 ص 100 .