السيد محمد تقي المدرسي
78
من هدى القرآن
هدى من الآيات : من أهم العوامل التي تدعو الناس إلى الكفر بالرسالة ومحاربتها ، وبالتالي الانحراف عن الخط المستقيم ، هو تقديس الواقع القائم أو ما يسمى بالتقليد ، حيث يعتقد المجتمع بأن ما لم يكن لا ينبغي أن يكون ، فالواقع يجب أن يبقى . ويقوِّي هذا العامل أمران : الأول : أنه واقع قائم بينما الرسالة فكرة جديدة لما تتحول إلى واقع . الثاني : أن بعضا من أفراد المجتمع وخاصة الملأ والمترفون ، يدافعون عن الواقع القائم ويحاربون الرسالة ، لأنهم يخشون على مصالحهم من أي تبدل أو تحول . وقد يكون عامل البقاء على الحالة الراهنة ، نابعا من اعتزاز الإنسان المبالغ بواقعه والمتمثل في الإصرار والعناد الأعمى على المحافظة عليه ، وهو ما يعبر عنه السياق القرآني مرة بكلمة عِزَّة ، ومرة أخرى بما قاله الكفار لبعضهم إذ تآمروا على العناد والصبر على الباطل . ولعلاج هذه الحالة ينبغي بيان الضعف للإنسان ، وأن الذي يملكه الآن لا يعد شيئا إذا قورن بما يغنمه لو تقبل الرسالة وأصلح أوضاعه ، وبالتالي دعوته إلى التغير نحو حياة أفضل . وهذا من أهم أساليب الأنبياء في التغيير ، قال تعالى على لسان نوح عليه السلام مشيراً إلى أساليبه في الدعوة : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [ نوح : 10 - 12 ] . وفي موقع آخر من القرآن نجد تجليا صريحا لهذا الأمر أيضا . يقول تعالى مشجعا الناس على الإيمان برسالته : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [ الأعراف : 96 ] . بينات من الآيات : [ 1 ] ص حرف يفيد الابتداء به التنبيه ، وهو يشير إلى القرآن الكريم ، ومن أبعاده أنه رمز بين الله وأوليائه فهم يختصون بفهمه ، وعن الصادق عليه السلام : ( إِنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ الله تَعَالَى ) « 1 » . ثم يقسم ربنا بالقرآن العظيم ، مشيرا إلى أهم ما تشتمل عليه آياته الكريمة وهو الذكر . وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ وقد سمى الله كتابه فيه بالذكر عشرات المرات ، وهنا يسميه ذِي الذِّكْرِ فما هو معنى الذكر ؟ .
--> ( 1 ) رواه ابن عباس ، نور الثقلين : ج 4 ، ص 442 .