السيد محمد تقي المدرسي
66
من هدى القرآن
المشركين حولهم في آيات ثلاث : - وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ والمقام هنا قد يعني المنزلة ، فالملائكة يتفاضلون فيها ، وأعظمهم الروح . وقد يعني مَقَامٌ الدور ، فلكل ملك دور يختلف عن الآخرين . إذ منهم من هو مختص بقبض الأرواح ، ومنهم من وُكلِّ بالسحاب والمطر وهكذا . ومقام الملائكة ودورهم معلوم عند الله وعند الملائكة ، وكونهم الموكلين بشؤون الحياة وإدارتها لا يرفعهم إلى مقام الربوبية أبدا ، كما لا يقفزون إلى دور آخر للقيام مثلا بالشفاعة لهذا ، وقضاء حاجة ذاك إلا بأمر الله . - وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ كالجند . ينتظر الجميع أوامر ربه لينفذوها ، ولا يحيدون عنها قيد أنملة ، ولعل أهم ما يصطف له الملائكة هو عبادة الله ، وذروتها التسبيح والتنزيه . - وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ينزهونه - عز وجل - عن كل ما لا يتناسب ومقام الربوبية ، عن الوهن والجهل ، وعن الشركاء التي زعم الجاهلون بأن الملائكة منهم . [ 167 - 168 - 169 ] ومن الناس من يتهرب من المسؤولية ببعض التمنيات ، وتعليق قيامه بالواجب ببعض الشروط المستقبلية ، فإذا قيل لهم : لماذا لا تصلوا ؟ قالوا : سوف نفعل ذلك إذا ذهبنا إلى الحج ، أو إذا كبرنا . . وبعضهم يلقي بالمسؤولية على الله سبحانه ، ويقول لأن الله لم يوفقني فإني لم أهتد إلى الصلاح ، ولو أن الله بعث إلينا رسولا فسوف نكون أهدى من غيرنا . وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ قولا مجردا ، لا يتجاوز لقلقة اللسان . لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْراً مِنْ الأَوَّلِينَ نهتدي به ، ونسير في الحياة على ضوئه . لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ لكن هل يمكن للإنسان أن يدرك هذه المنزلة الرفيعة بمجرد التمنيات ؟ كلا . . إذ لا بد لبلوغها من السعي ، لأنه وحده الذي يحول الآمال إلى واقع . [ 170 ] ولأن هؤلاء يعيشون مجرد التمنيات ، وإنما قالوا ذلك لتبرير انحرافاتهم فقد جاءهم القرآن ، وكان يفترض فيهم أن يتبعوه ليصلوا إلى سماء الإخلاص . فَكَفَرُوا بِهِ وتبينت حقيقتهم بأن كلامهم مجرد أمنيات غير جادة ، وهذه طبيعة كل الذين يسوفون التوبة ، ويعلقون إصلاح أنفسهم على شروط غير متحققة ، ويعيشون في حلم المستقبل دائما ، وهذا التسويف يُردْيهم إلى الهاوية . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ فهم يقولون : سوف نعمل ، فيقول لهم القرآن : بل سوف تعلمون أن إضاعة فرصة العمر الوحيدة لم تكن في مصلحتكم أبدا . وفي طيات هذا التعبير تهديد مبطن بالعذاب ، وقد يكون عدم التصريح بنوعيته وكيفيته أبلغ وأرهب في