السيد محمد تقي المدرسي

45

من هدى القرآن

قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ عليه السلام : أَحْرِقْ كُتُبَكَ ) « 1 » . وجاء حديث آخر مأثور عنه عليه السلام أنه قال بعد أن سئل عن النجوم : ( هُوَ عِلْمٌ قَلَّتْ مَنَافِعُهُ وكَثُرَتْ مَضَارُّهُ لَا يُدْفَعُ بِهِ المَقْدُورُ ولَا يُتَّقَى بِهِ المَحْذُورُ إِنْ خَبَّرَ المُنَجِّمُ بِالبَلَاءِ لَمْ يُنْجِهِ التَّحَرُّزُ مِنَ القَضَاءِ ) « 2 » . وقال الإمام الصادق عليه السلام : ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ سَقِيماً وَمَا كَذَبَ إِنَّمَا عَنَى سَقِيماً فِي دِينِهِ مُرْتَاداً ) « 3 » . وحينما نقرأ الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية الكريمة ، نجدها تؤكد على رفع الشبهة القائلة بأن التقية حرام لأنها تضطر العاملين للكذب ، بل إنها من دين الله ويستدل الأئمة على ذلك بالقرآن الحكيم . ( عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عليه السلام : التَّقِيَّةُ مِنْ دِينِ الله . قُلْتُ : مِنْ دِينِ الله ؟ ! . قَالَ عليه السلام : إِي واللهِ مِنْ دِينِ الله وَلَقَدْ قَالَ يُوسُفُ عليه السلام : أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ واللهِ مَا كَانُوا سَرَقُوا شَيْئاً . ولَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام : إِنِّي سَقِيمٌ واللهِ مَا كَانَ سَقِيماً ) « 4 » . ولعل نظر إبراهيم عليه السلام إلى النجوم في ذلك المجتمع الزراعي الذي اعتقد بأنها ذات تأثير حاسم في حياته كان للإيحاء إليهم بأنه يؤمن بها كما يؤمنون ، فيبعد عن نفسه شبهة الكيد بأصنامهم فلا يأخذوه إلى عيدهم عنوة ويفشلوا خطته . وقال : سَقِيمٌ تورية إذ إنه من دون تحطيم الأصنام كان سقيما ، أو ليست الأصنام كانت تعبد من دون الله جهارا ، فكيف لا يكون مريض القلب مهموم الفؤاد ، دائم الكآبة وهو لما يقض على الأصنام بينما يفهم القوم المرض فيكون عذراً للغياب عن عيدهم . وهكذا شأن الأنبياء عليهم السلام والمعصومين عليهم السلام حال التقية يستخدمون التورية وليس الكذب وإن أباحته الضرورة المسوغة للتقية . ولعل هذا هو مراد الإمام الصادق عليه السلام أنه كان سقيما في دينه ، إذ لا ريب أن إبراهيم عليه السلام كان مخلصا طاهرا حنيفا وهو الذي قال عنه الرب : إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ . [ 90 ] وبالفعل نجح نبي الله في مهمته ، حيث اطمأن القوم إلى كلامه وذهبوا جميعا إلى عيدهم . فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ وفي هذا التعبير إفصاح عن مدى الاطمئنان من قبل القوم ، حيث وصفهم القرآن بالإدبار ، ولو لم يكونوا كذلك لكانوا يلتفتون إلى ورائهم فلا يصح وصفهم به . والحركة الناجحة هي التي يتمكن أفرادها من التغطية على تحركهم بحيث يسلبون النباهة والحذر من العدو ليفاجئوه بالضربة القاضية ، وفي الوقت نفسه لا يتركون أثرا يدل على خطتهم .

--> ( 1 ) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 267 . ( 2 ) وسائل الشيعة : ج 17 ص 143 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 11 ص 76 . ( 4 ) الكافي : ج 2 ص 217 ، تفسير العياشي : ج 2 ص 184 .