السيد محمد تقي المدرسي
34
من هدى القرآن
يشمل المعنى كل قرين توحي رفقته وسلوكياته أو أقواله إلى الكفر . يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ ( 52 ) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ أي مسؤولون ومجازون ، وهذا الاعتقاد هو الذي يسوق البشر للظلم والانحراف ، لأنه لا يعتقد بمسؤولية تجاه أقواله وأعماله . [ 54 ] ومن كمال النعم وتمام السرور معرفة الإنسان بأنه قد نُجِّيَ من شر عظيم ومهلكة لم ينج منها الآخرون ، فما أعظم لذة من تحطمت به السفينة في عرض البحر وابتلعت أمواجه الهادرة كل من فيها سواه حيث تعلق بخشبة وقاوم الأمواج ، واستبسل في السباحة حتى نجَّاه الله في اللحظة الأخيرة . إنه سوف يزداد إحساسا بالراحة كلما تذكر الحادثة ، واستحضر صورة الأمواج التي كانت تتلاحق على خشبته ، وكان ينادي أصحابه إليها فلم يستجيبوا له بغياً منهم وجهلًا ، وشهد مهلكهم بغيهم . أليس كذلك ؟ هكذا يتم الله نعمته على المؤمن وهو يتذكر قرناء السوء الذين قاوم تضليلهم وضغوطهم فذهبوا إلى النار ، ونُجِّيَ هو منها . وهاهو يراهم يتقلبون فيها يائسين وهو في الجنة من المكرمين . قَالَ لرفاقه المخلصين . هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ أي هل أنتم تتكلفون الاستطلاع حتى نعرف مصيره ؟ [ 55 ] ولكنه لفرط شوقه أخذ يبحث عنه شخصيا دون انتظارهم . فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ يعني وسطها ، حيث يتركز العذاب والحريق وتحوطه النار من كل جانب كما كان في الدنيا محاطا بالذنوب والمعصية ، ولعل التطلع هناك هو تكلف الذهاب إلى ناحية وإلا فأهل الجنة لا يسمعون حسيس النار . [ 56 ] وهناك يكتشف المؤمن مدى خطورة الصديق السيئ . قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ والتردي هو السقوط من شاهق ، وفي هذا إشارة إلى أن المخاطب في واد سحيق من النار . [ 57 ] وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ في العذاب ، وتتمثل النعمة الإلهية هذه في الأسباب التي تؤدي بالإنسان إلى النجاة من الانحراف ، ومن ثم من عواقبه ، كالعقل والرسالة والمرشدين للحق ، ولا شك أن أعظم نعم الله على البشر هي نعمة الهداية . [ 58 - 59 ] ويشير القرآن على لسان المؤمنين إلى أخطر فكرة يحاول المنحرفون من خلالها إضلال الناس ، والتأثير على المؤمنين ، وهي فكرة الكفر بالآخرة حيث الجزاء الأوفى . أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( 58 ) إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ على الأخطاء والذنوب ؟ ! [ 60 ] ولعل الله هو الذي يلقي في قلوب أوليائه من أهل الجنة ، أن يشرفوا على النار للاطلاع على أهلها ، لكي يشعروا عميقا بلذة الهداية والطاعة والنعيم ، ذلك أن من طبيعة الإنسان إحساسه بالحقائق عن طريق معرفة نقائصها ، لهذا نجد المؤمن وقد اطلع على قرين