السيد محمد تقي المدرسي

30

من هدى القرآن

بينات من الآيات : [ 40 ] بعد حديثه عن مصير المجرمين ، يذكرنا القرآن بمشهد مشرق من الآخرة حيث عباد الله المخلصون ، في جنة ملؤها النعيم والرحمة والتي لا تعطى عبثا إنما بثمن ، وأول وأهم ثمن يشتري به العبد الجنة هو الإخلاص ، وإذا كان العمل بذاته صعباً ، فالإخلاص فيه أصعب ، لأنه يعني الانقطاع نفسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا و . . ، عما سوى الله ، حفاظا على حقيقة التوحيد . فقد يصلِّي الإنسان لأن الصلاة تدرُّ عليه الربح ، وترفعه درجة في الناس ، وتعطيه قوة في الجسم وما أشبه ، فهو يصلي نتيجة لتفاعل عدة عوامل دفعته بهذا الاتجاه ، فإذا انعدمت هذه العوامل ، أو وجدت أخرى تعاكس مسيرة الصلاة كما لو وجد نفسه في بلد أجنبي لا يصلِّي أهلها ، أو صعبت عليه الصلاة لنعاس شديد أو برد أو حر فإنه يتركها وربما يحاربها ، لأن الذي يصلِّي لإرضاء الناس ، سوف يشرب الخمر حين يكون فيه رضا الناس ، ومن هذا المنطلق صار الإخلاص أهم من العمل وكميته . قال الإمام علي عليه السلام : ( تَصْفِيَةُ العَمَلِ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ ) « 1 » . وقال عليه السلام : ( تَصْفِيَةُ العَمَلِ أَشَدُّ مِنَ العَمَلِ وتَخْلِيصُ النِّيَّةِ مِنَ الفَسَادِ أَشَدُّ عَلَى العَامِلِينَ مِنْ طُولِ الجِهَادِ ) « 2 » . والإخلاص هو أن تعمل في كل الظروف بنية صافية بعيدا عن التأثر بالعوامل المضادة للعمل ، وهذا ما لا يدركه أحد إلا حينما تكون شخصيته ( ثقافة وسلوكا ) مصوغة بالقيم الرسالية الصحيحة ، وليس بالظروف والضغوط أو ردود الفعل والمصلحة . وربما لذلك قال القرآن الْمُخْلَصِينَ بفتح اللام ، وليس المخلصين بكسرها . والمخلَص هو الذي أخلصه الله وصفىَّ نفسه وحياته من الشوائب والمؤثرات ، حتى أصبحت أعماله كلها لوجه الله وحده لا شريك له . ولعل الآية الكريمة : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [ المائدة : 27 ] . تهدينا إلى ذات المفهوم . والشيء الذي يبني عليه الإسلام أساس الإخلاص هو الاستمرار فيه . وإلا فإن الإنسان ، كل إنسان قد يعيش لحظة يخلص فيها لله عمله ودعاءه ، فالعمل الواحد لا يقبل منفردا ، إنما يضم إلى عموم مسيرة الإنسان . والذي لا شك فيه أن الواحد لا ينعت بخلق ما إلا إذا صار عادة له وسلوكا . فالذي يصوم شهر رمضان المبارك ، وفي الأثناء ، أو بعده وقبله يغتاب الناس ويأكل المال الحرام ، أو يترك جانبا من الدين كالجهاد لا يكون متقيا . فصومه لا يقبل ولا يكون

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 75 ، ص 90 . ( 2 ) الكافي : ج 8 ، ص 22 .