السيد محمد تقي المدرسي
11
من هدى القرآن
وحينما يبين لنا القرآن المجيد حقيقة أو حكماً ، لا يلبث أن يضرب لذلك أمثلة عديدة ، ليس للإيضاح فحسب ، إنما لبيان الأبعاد والحدود أيضاً ، ذلك لأن النفس البشرية قادرة على تحوير الألفاظ وتفريغها من معانيها الحقيقية ، وتحويلها إلى ألفاظ قشرية غير مؤثرة ، بل وقد تعطي معانٍ غريبة عن المعنى الحقيقي . فلكي لا يأتي بعض المفسرين القشريين ، أو بعض من تسوّل لهم أنفسهم تبرير الأفعال والانحرافات للناس ، ويفسرواالقرآن على أهوائهم وآرائهم ، لم يترك ربنا كلمة في القرآن الحكيم إلا وأوضحها بالأمثلة التاريخية التي لا يمكن نكرانهاأو تبديلها وتأويلها إلى غير مضامينها . ويبدو أن القرآن الكريم أراد أن يبين المعنى الحقيقي والواقعي للتشيع ، الذي هو رفض الجبت الداخلي بالتوحيدالخالص ، ورفض الطاغوت الخارجي بمقاومة الانحراف الاجتماعي والسياسي والثقافي و . . . في الواقع القائم ، والذي هو صورة ظاهرية للجبت الداخلي ، ثم التسليم لله والتضحية والاستقامة في سبيله . ثم يذكرنا الله عز وجل في النهاية بالمعنى الحقيقي للإخلاص ، وهو أن يكون الإنسان بعيداً عن العوامل والضغوطالمضادة للحق . فالمجتمع في بعض الأحيان يعصر المؤمنين ، ويضغط عليهم باتجاه ، وطاعة الله والأهداف التي يتطلعون إليها تضغطعليهم باتجاه معاكس . فيكون واجبهم التحدي بالإيمان والتوكل ، وأن يعرفوا بأن عنوان نبوة الأنبياء والمرسلين وأبرزأعمالهم هو تحديهم للواقع الاجتماعي الفاسد ، وأن نجاحهم في هذا التحدي هو سبب سموهم . وفي الآيات الأخيرة يلخص ربنا عِبَر هذه السورة ، ومن أظهرها أن عباد الله المخلصين هم الذين أخلصهم ربهم وأخلصوا أنفسهم له ، فلم تؤثر فيهم العوامل التي جرت على غيرهم .