السيد محمد تقي المدرسي

81

من هدى القرآن

واستغلالهم ، أو مطية للمصالح والأهواء ، لا يفهمون الدين فهما حقيقيا وعميقا - لأنه لا يفهمه إلا من كان محسنا ، بعيدا عن شهواته وأهوائه - ، وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [ الإسراء : 82 ] . وبالرغم من أن الجميع يطمحون إلى الإحسان ، إلا إنهم يجدون أيديهم وأنفسهم مقبوضة عن العطاء حينما ينزلون إلى ساحة العمل ، فكيف نخلق صفة الإحسان في أنفسنا ؟ ! . بالصلاة لأنها تخلق في الإنسان دوافع الإحسان ، وبالزكاة لأنها تطهر القلب من حب الذات كما تطهر المال ، وكذلك باليقين ، فكلما تأكدت الحقائق عند الإنسان كاليقين بالموت وبما بعده من الجزاء كلما كان أكثر إحسانا للآخرين ، إذ يتأكد بأن ما يعطيه لا يذهب سدى ، بل يعود إليه في صورة جنات أعدها الله للمتقين ، فهو آنئذ لا يعتبر المغنم ما يصرفه على نفسه ، بل المغنم كل المغنم هو ما ينفقه في سبيل الله . وفي السيرة : أن رسول الله صلى الله عله واله ذبح شاة وتصدق بها ولم يُبقِ إلا الكتف ، فقالت له عائشة : ( لم يبق عندنا منها إلا الكتف ! فقال صلى الله عله واله : الشاة كلها لكم إلا الكتف ) « 1 » . لأنه يعلم بأن ما يأكلونه يتنعمون به وينتهي ، بينما يبقى ما يعطونه صدقة في سبيل الله ، وينفعهم في يوم لا ينفع فيه إلا العمل الصالح . وفي نهاية الدرس يحدثنا القرآن الحكيم عن الطرف المقابل من الذين يقصدون لهو الحديث ، لأن الأشياء تعرف بأضدادها ، وبينما يهتدي أولئك لآيات الله ، يصد هؤلاء عنها ، كأن في آذانهم وقرا ، وليس جزاء هؤلاء سوى النار . بينات من الآيات : [ 1 ] ألم كما احتملنا سابقا : إن الأحرف التي ترد في أوائل السور رموز لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم ، ويحتمل أن تدل على ألفاظها . [ 2 ] ومن تركيب هذه الأحرف البسيطة في ظاهرها ، أنزل الله سبحانه القرآن وآياته ، في كتاب ثابت ينبعث بالحكمة تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ . [ 3 ] كما تعطي هذه الآيات الهدى والبصائر للمحسنين هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ والإحسان ليس رحمة للمجتمع وحسب ، بل هو هدى له أيضا ، إذ يهديه الإحسان إلى سبل

--> ( 1 ) السنن الكبرى : البيهقي : ج 9 ، ص 250 .