السيد محمد تقي المدرسي
68
من هدى القرآن
فجائت إلى العطار تبغي شبابها * وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ هذه التحولات التي تجري على الإنسان تكشف عن قدرة الله وعلمه سبحانه ، إن أعظم آية على قدرة الرب يقلب الإنسان من حال إلى حال ، في إطار تقدير حكيم ، وتدبير رشيد ، حتى يعرف أنه القادر المهيمن العليم الحكيم ، جاء في دعاء الإمام الحسين عليه السلام : ( إِلَهِي عَلِمْتُ بِاخْتِلَافِ الآثَارِ وَتَنَقُّلَاتِ الأَطْوَارِ أَنَّ مُرَادَكَ مِنِّي أَنْ تَتَعَرَّفَ إِلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى لَا أَجْهَلَكَ فِي شَيْء ) « 1 » . [ 55 ] لا يتوقع المجرم امتثاله للمحاكمة ، وتراه يسوف في نفسه الجزاء ، ويتمنى لو أنه لا يأتيه أبدا ، ولكن المكتوب عند الله غير ذلك تماما ، فكل يوم يمر يقربه إلى يوم الجزاء خطوة وما دامت الساعة آتية ، ومادمنا امتطينا صهوة الآجل ، فلابد أن نلتقي يوما وإياها . ولهول المفاجأة يحلف المجرم أنما لبث ساعة واحدة ، وهي اللحظة العابرة من الوقت ، وهكذا تتلاشى المسافة آنئذ بين لحظة الذنب ولحظة الحساب ، وفعلا ما هي قيمة أيام الدنيا بالقياس إلى الخلود ، بل ما وزن اللحظات العابرة التي يقضيها المجرم مع شهواته بالأحقاب التي يلبثها عند الجزاء . وهكذا يحلف المجرم بأنه ما لبث غير ساعة ، ولعله صادق بالقياس إلى الموازين التي اختلقها بنفسه فيما يرتبط بالعقاب ، فهو كان يزعم أنه لا يأتيه أبدا ، أو إذا كان يأتيه فهو بعيد ، وبعيد جدا في زعمه ، وهكذا كذب على نفسه ، وصرف ذاته عن الحقيقة بهذا التسويف وتلك التمنيات . وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ بأهوالها ، وصعقة مفاجأتها ، وعظيم وقعها في السماوات والأرض ، يومئذ . . يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ وهم الذين ارتكبوا الموبقات ظانين ألا جزاء ينتظرهم مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ حتى كأنهم يواجهون الجزاء فور الانتهاء من الجريمة . ولو أننا ننتبه إلى مدى سرعة طي الزمن ، ومدى اقتراب الأجل ، وكيف أن العقاب أقرب بكثير مما نتصور ، وأن المسافة التي نتخيلها تفصل بيننا وبين الجزاء ليست إلا وهما ؛ إذا لارعوينا . هكذا يقول المؤمنون في دعائهم لربهم : ( وَلَوْ خِفْتُ تَعْجِيلَ العُقُوبَةِ لَاجْتَنَبْتُه ) « 2 » .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 95 ص 225 ، دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 95 ، ص 84 ، من دعاء أبي حمزة الثمالي .