السيد محمد تقي المدرسي
50
من هدى القرآن
والربا ينمي طبقة مستكبرة متعالية وطفيلية في المجتمع ، مما تتجاوز أضراره الجوانب الاقتصادية إلى الحياة السياسية فالثقافية والاجتماعية . ولعلنا اليوم نعي معاني هذه الآية أكثر من آبائنا ، لأن الربا انتشر ليس في حدود أبناء المجتمع الواحد ، بل في مجال العلاقات الاقتصادية بين الأمم المختلفة ، وأفرز الواقع المقيت الذي تعاني منه البشرية المتمثل في التمايز بين الدول المستكبرة التي تستأثر بكل خيرات الأرض والدول المحرومة التي تحتاج إلى أبسط مقومات الحياة ، فبينما تختزن الدول المستكبرة مثلا حوالي ( 350 ) مليون طن من الغلال لعام ( 1407 ه 1987 م ) وتحتار كيف تختزنها ، بل كيف تتخلص منها ؛ نرى الدول المستضعفة محتاجة إلى كل كيلو منها ، ويتضور أطفالها جوعا ، ويتساقط الملايين منهم كل عام لسوء التغذية . ولعل أعظم أسباب هذا التمايز النظام الربوي السائد في العالم ، حيث بلغت ديون البلاد المحرومة أكثر من كاترليون ( ألف وخمس وثلاثون مليار ) دولار ، وأخذت الفوائد المتضاعفة تبتلع كل جهود الشعوب المحرومة ، وتجعل الأمل في تقدمها واستقلالها يتلاشى في طوفان الديون . ولو دفعت البلاد المتقدمة زكاة أموالها للشعوب المحرومة لنشطت من عقال التخلف ، وللحقت بركب الحضارة ولأفادت حتى الدول الصناعية بتبادل التجارة معها . ولو استجاب المحرومون لنداء القرآن ، وألغوا الربا في علاقاتهم الاقتصادية ، وتحرروا من أغلال الفوائد الباهظة إذن مشوا خطوة في طريق تقدمهم واستقلالهم لذلك قال ربنا سبحانه : وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ . أما العطاء الذي يتبعه المن والأذى فإنه مقدمة للطبقية المقيتة ، ولاستثمار البعض للبعض الآخر ، وبالتالي لا ينمي الثروة . كما إن ما يسمى المعونات الاستعمارية للدول المحرومة التي تربط هذه الدول بعجلة الاستكبار هي الأخرى لا تنفع تقدما ، ولا تعطي خيرا . فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ ولعل السبب هو أن الزكاة تنشط المجتمع ، وتضع عن اقتصاده أغلال الاستثمار ، وقيود الطبقية ، ويتوجه الجميع تجاه نعم الله المنبسطة في أرجاء الطبيعة ليستفيدوا منها ، دون أن يفكر كل فريق في استغلال الآخرين .