السيد محمد تقي المدرسي

48

من هدى القرآن

فلا يفرح ببسط الرزق لأنه قد يسلبه في أية لحظة ، ولا يقنط بقبضه ، لأن الله قادر على أن يبسطه في أية لحظة أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ بلى ؛ ولكن أغلب الناس يبصرون العوامل المباشرة للرزق ، وينسون العامل الغيبي لذلك قال ربنا : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . أما المؤمنون فإنهم لا ينظرون فقط إلى العوامل الظاهرة ، بل يبصرون أصابع الغيب التي تحرك تلك العوامل وتدبرها ، إنهم يعلمون أن الفلاح لا يقوم إلا بأعمال جدا ضئيلة إذا قيست بالعوامل التي تساهم في نمو الزراعة ابتداء من خصوبة التربة ، وعذوبة الماء ، وانتهاء بالمواد التي تنفسها الشمس عبر أشعتها ، ومرورا بسائر العوامل الرئيسية المفقودة مثلا في سائر الكرات الأخرى ، ولذلك أضحت الزراعة فيها مستحيلة . وكما في الزراعة كذلك في سائر موارد الرزق ، ولذلك ترى المؤمنين وحدهم يهتدون بآيات الرزق ، ويشكرون ربهم عليها . [ 38 ] لأن الرزق من الله ، ولأن المؤمن لا يقنط من رحمته إذا فقد شيئا من ثروته ، ابتغاء رضوانه ، ولأن المؤمن لا يفرح بما يؤتى ، ولا يحسب ما بيده دائما بل يراه عواري ، سوف يذهب منه في أية لحظة ، لذلك كله ينبغي أن ينفق من ماله للأقربين ثم ذوي الحاجة من حوله فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ليس دور الترتيب الذي ذكر في هذه الآية اعتباطا ، فقد جاء في الروايات أن ذوي القربى مقدمون على غيرهم في الإنفاق . جاء في حديث مأثور عن أبي عبد الله الإمام الحسين عليه السلام قال : ( سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عله واله يَقُولُ ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ وَقَالَ لَا صَدَقَةَ وَذُو رَحِمٍ مُحْتَاج ) « 1 » . وقد جاء في بعض الأحاديث تفسير ذوي القربى بآل بيت الرسول صلى الله عله واله . ففي كتاب الاحتجاج للعلامة الطبرسي رضي الله عنه عن علي بن الحسين عليه السلام لبعض الشاميين : ( أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَة : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ؟ . قَالَ : نَعَمْ قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام : فَنَحْنُ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صلى الله عله واله أَنْ يُؤْتِيَهُمْ حَقَّهُم ) « 2 » . وفي مجمع البيان ، عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه الآية : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ . . أعطى رسول الله صلى الله عله واله فاطمة عليه السلام فدكا « 3 » . ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ يتراءى للإنسان بادئ

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 93 ص 147 . ( 2 ) الاحتجاج : ج 2 ص 306 . ( 3 ) مجمع البيان : ج 8 ص 394 .