السيد محمد تقي المدرسي
46
من هدى القرآن
لم يوضح لهم الحقيقة ، لقد أوضح لهم إياها ، ولا حجة لهم . وكثير من المشركين يتصورون أنهم مكلفون من الله باتباع شركائهم ، أو يزعمون أن الأصنام شفعاء عند الله ، وأنها تقربهم إليه زلفى ! . ما شئت لا ما شاءت الأقدار * فاحكم فأنت الواحد القهار كما يزعم الطغاة حيث يعتبرون أنفسهم ممثلين عن الله سبحانه ، وكذا كان سلاطين المسلمين الذين قاموا باسم الدين ، كان يصورهم الشعراء بأنهم آلهة من دون الله كما قال « 1 » بعضهم في وصف أحد الخلفاء : والقرآن يواجه كل هذه القوى الجاهلية التي تستعبد البشر باسم الدين بأنها ضالة ما لم ينزل الله عليهم سلطانا مبينا . كما يجعل القرآن الناس أمام مسؤولياتهم مباشرة ، من دون واسطة أدعياء الدين ، لكي يقطع الطريق على وعاظ السلاطين وتجار الدين ، فلا يستغلوا سذاجة الناس ، ويحذروهم باسم الدين ، ويحرفون كلمه لقاء دراهم معدودة ، يتلقونها من الحكام . [ 36 ] لماذا يتوسل بالشركاء والأنداد من دون الله ؟ . قد يكون السبب التبرير الشرعي الذي نسفه السياق آنفا ، وقد يكون الزعم بأنهم يرزقونهم من دون الله ، والذي يعالجه القرآن من الجذور ويقول : وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا أي أحسوا بالبطر والغرور ، ويبدو أن الفرح هو حالة الإحساس بالإشباع والاستغناء ، وهي حالة ذميمة نهى الله عنها على لسان قوم قارون إذ قالوا له : لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [ القصص 76 ] ، ولكنها حالة حميدة إذا اتصلت بالله ، فمن استغنى بالله أحس بالقوة بتوكله عليه . وقد أمر الله بذلك إذ يقول : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ يونس : 58 ] . وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فإن السيئات لا تصيب البشر إلا بسبب ذنوبهم ، وعليهم أن يغيروا واقعهم الفاسد حتى يغير الله ما بهم ، ولكنهم يصابون بالقنوط بعد السيئة إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ويستوحى من كلمة إِذَا أن القنوط يداهمهم فجأة ، وذلك بسبب ضعف
--> ( 1 ) هو الشاعر : ابن هاني الأندلسي ، أبو القاسم محمد بن هاني الأزدي ، توفى سنة 362 ه . يمدح الخليفة المعز لدين الله الفاطمي ، راجع : البليغ في المعاني والبيان البديع : للشيخ أحمد أمين الشيرازي : ص 267 .