السيد محمد تقي المدرسي

24

من هدى القرآن

لقاء الله ، حيث يزعم الكفار أنه بمجرد تكذيب الساعة تسقط عنهم المسؤولية ، بينما القرآن يؤكد أن هذا التكذيب بذاته جريمة يعاقب عليها الجاحدون ، فلم يوضع الحساب فقط لمن آمن بالساعة ، بل وأيضا لمن كذب بها ، حيث إنه ينال جزاء تكذيبه كما ينال جزاء جرائمه . [ 17 ] فَسُبْحَانَ اللَّهِ إن أردت أن تكون من أصحاب الجنة ، لا من أهل النار ، فسبح الله واحمده آناء الليل وأطراف النهار حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ حين غروب الشمس وحين طلوعها . [ 18 ] وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ونحمده لما نرى من آياته في السماوات والأرض وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ عشيا عند صلاة العصر ، وعند الزوال وقت صلاة الظهر ، وهذه مواقيت الصلوات الخمس التي ذكرت جميعا إلا صلاة العشاء لقربها إلى ميعاد صلاة المغرب . بلى ؛ حين يتنفس الصباح أو تودع آخر أشعة الشمس الروابي ، وعندما ينتصف النهار وفي وقت العشية ، تحدث تطورات على الطبيعة ، وفي نفس البشر ، تقتضي تسبيح الرب ، لكي يطمئن الإنسان إلى خالقه الذي جل عن التغير ، والذي يهيمن على اختلاف الزمن . إن تسبيح الله وحمده طرفي الليل ووسط النهار يمنع النفس من تقديس الطبيعة التي تعكس في هذه الحالات هيبتها عليها ، ومن الناس من يعبر عن ذلك بالسجود للشمس والقمر ، وتقديس الأشجار والأحجار . . وإن تسبيح الله وحمده يتسع مع آفاق الخليقة حتى يشمل السماوات والأرض ، فلا ينظر العارف بربه إلى شيء إلا ويتجلى له الرب بجلاله وجماله فيتوهج فؤاده تقديسا وحمدا . وقد عبرت الآيات هنا عن اتساع تسبيح الله وحمده عبر آنات الزمان وآفاق المكان ببيان رائع وإيجاز بليغ فقال : فسبحان الله ، وقال : وله الحمد . هكذا بصفة عامة دون أن يذكر ذاكر التسبيح وقائل الحمد ، لأن كل شيء يسبح له ويحمده ، وتسبيح الله وحمده مقتضى تحول الحالات بتدبير حكيم ، ذلك أن انتقال الوقت من المساء إلى النهار ومن النهار إلى المساء يعني وجود نقصا في الطبيعة ، فالطبيعة ليست ثابتة ، وإنما هي متغيرة ، فنستدل بهذا النقص على أن ربها ومقدرها ليس بناقص ، ولأن لكل متحرك ثابتا يحركه ، لذلك كل ما نرى في الطبيعة من نقص نسبح الله ، فالنقص في الطبيعة أمر حق . وقد كان القدماء يستدلون على الله بأن العالم متغير ، وكل متغير حادث ، وكل حادث يحتاج إلى محدث ، والمحدث هو الله . وجوهر هذا الاستدلال صحيح . فالطبيعة أعجز من أن تخلق نفسها ، أو تديرها ، فلابد لها من خالق مدبر ، وهكذا استدل