السيد محمد تقي المدرسي

15

من هدى القرآن

ولقد سجل القرآن أعظم الحوادث التاريخية ، وبين عبرها والبصائر التي نستوحيها منها ، وهكذا اختصر هنا الإشارة إلى تلك الحادثة ، ثم أشار إلى نهاية الحرب فقال : مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ إنهم سوف ينتصرون بعد أن غلبوا وانهزموا . وهذه نبوءة قرآنية بدأ الله بها سورة الروم ، لكي لا ننخدع بظاهر الأمور ، بل نرى القوى الخفية التي تكمن وراءها . فبالرغم مما حقق الفرس من انتصار ، إلا إن هذا الانتصار كان مقدمة لانتكاستهم ، لأن هذا الانتصار كان سببا لترهلهم ، واسترخائهم ، وكان من أسباب انتكاستهم انتشار الطبقية المقيتة . ( غير أن ملك الروم ( هرقل ) بدأ هجومه على بلاد فارس سنة 622 ميلادية ، وألحق هزائم متتابعة بالجيش الفارسي ، واستمرت هذه المعارك حتى سنة 628 لصالح الروم ، وغلب ( خسرو پرويز ) ، وانكسر انكسارا مريرا ، فخلعه الفرس عن السلطنة وأجلسوا مكانه ابنه ( شيرويه ) . وبملاحظة أن مولد النبي صلى الله عله واله كان سنة 571 ميلادية وكانت بعثته سنة 610 ميلادية ، فإن هزيمة الروم وقعت في السنة السابعة للبعثة ، وكان انتصارهم بين سنتي خمس وست للهجرة النبوية ، ومن المعلوم أن السنة الخامسة حدثت فيها معركة الخندق ، وتم في السنة السادسة صلح الحديبية ) « 1 » . [ 4 ] وبعد بضع سنين إذا بالروم ينتصرون على الفرس ، وتتحقق نبوءة القرآن فيهم . فِي بِضْعِ سِنِينَ وهذا التعبير يدل على تأثير عامل الزمن على جريان سنن الله ، فبعض الناس يريدون أن تجري سنن الله بلا أجل ، وهذا لا يكون ، لأنه يتنافى وحكمة الابتلاء . ثم يؤكد القرآن أن هذه السنة إنما هي سنة ظاهرة ، وأن السنة الخفية ، والاسم الأعظم بيد الله ، الذي يشاء أن ينتصر الفرس أو ينهزموا ، أو ينهزم الروم أو ينتصروا ، إذا ما غير أي طرف ما بأنفسهم - سلبا أو إيجابا - . لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وهذه الآية تعبير عن كلمة ( إن شاء الله ) فإذا شاء الله سينتصر الروم على الفرس ، وإن لم يشأ لا ينتصرون ، قال تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [ الكهف : 23 - 24 ] . كما إن هذه الآية تهدينا إلى سنة الحرية التي ضمنها الله للإنسان ليبتليه في الدنيا ، إذ جعل ربنا لنفسه البداء في كل شيء ولا يكون لأي شيء فرض حتم عليه ، إلا ما حتم على نفسه ووعد به فلا يخلف وعده سبحانه وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بماذا يفرح المؤمنون ؟ .

--> ( 1 ) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل : ج 12 ، ص 475 - 476 .