السيد محمد تقي المدرسي

97

من هدى القرآن

تلك الحقيقة هي أن الإنسان لا يمتلك القدرة الذاتية على التكامل ، ولا سبيل له إلى ذلك إلا بالارتباط بينبوع التكامل والبركة وهو رحمة الله - جل شأنه - عبر التمسك بحبله الممدود من السماء إلى الأرض ، وهو القرآن ، حيث يسمو بالإنسان نحو مدارج الكمال ، ويفجر طاقاته الخيرة التي أودعها ربنا فيه . لذا نجد هذه الكلمة تتكرر ثلاث مرات أو أكثر بعبارات مختلفة في هذه السورة ، التي يستوقف الإنسان سياقها في الآية الأولى ليبين أن الهدف الأساسي من الوحي هو الإنذار لأن الإنسان أقرب إلى دفع الشر عن نفسه منه عن جلب الخير ، فلو علم بعدو يريد اقتحام البيت تراه يتحرك استعدادا للدفاع بنشاط أكبر مما لو علم بوجود فرصة أمامه للكسب ، ولربما كان هذا السبب الذي يجعل الإنذار يسبق التبشير . القرآن رسالة إلى العالمين وتشير الآية الكريمة إلى أن القرآن ليس رسالة موجهة إلى طائفة من بني البشر دون أخرى ، إنما هي رسالة مترامية الأبعاد ، تسع البشرية كلها ، فهي شاملة وعامة ، وهذه الميزة من أكبر الدلائل الواضحة على أنها وحي أرسله الله سبحانه ، وأنها ليست من اصطناع الرسول لأن الإنسان لا يمكنه الوصول إلى مستوى متقدم من التجرد عن الذات والمصلحة العنصرية والإقليمية وغيرها من الانتماءات المادية ، وإنما يستطيع ذلك عندما يتصل بمشكاة النور ، ويتنصل من أي انتماء مادي ويرتبط بالله المهيمن على جميع الحدود والقيود والولاءات . فكون القرآن حديثا للبشرية دليل على صدقه ، وأنه مرسل من عند الله ، ثم إن من يضع المنهج للحياة ، ويفرضه على الإنسان لابد أن يكون مطلعا على شيئين : الإنسان والكون ، فلابد أن يعرف طبيعة الإنسان ، ومكنوناته من الطاقات والتطلعات ، أما الكون فلابد أن يكون مهيمنا عليه ، عارفا بسننه وأنظمته ، ولا يتسنى هذا الأمر لغير الله - سبحانه - الذي أودع السنن والأنظمة وقدرها تقديرا . تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً لماذا اختار الله سبحانه كلمة عَبْدِهِ ؟ . يبدو لي أن الهدف من هذا التعبير أمران ، هما : أولًا : إن عظمة الرسول صلى الله عليه وآله نابعة من عبوديته لربه ، وإخلاصه له سبحانه . ثانياً : إن القرآن ليس من فكر الرسول ، ولا هو إفراز طبيعي لعلمه ، وكمال عقله ، أو