السيد محمد تقي المدرسي
80
من هدى القرآن
الْأَعْمَى وَالْأَعْرَجَ وَالْمَرِيضَ كَانُوا لَايَأْكُلُونَ مَعَهُمْ وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ فِيهِمْ تَيْهٌ وَتَكَرُّمٌ ، فَقَالُوا : إِنَّ الْأَعْمَى لَايُبْصِرُ الطَّعَامَ وَالْأَعْرَجَ لَايَسْتَطِيعُ الزِّحَامَ عَلَى الطَّعَامِ وَالْمَرِيضَ لَايَأْكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الصَّحِيحُ فَعَزَلُوا لَهُمْ طَعَامَهُمْ عَلَى نَاحِيَةٍ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ عَلَيْهِمْ فِي مُؤَاكَلَتِهِمْ جُنَاحاً وَكَانَ الْأَعْمَى وَالْمَرِيضُ يَقُولُونَ : لَعَلَّنَا نُؤْذِيهِمْ فِي مُؤَاكَلَتِهِمْ . فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللهُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ) « 1 » . ولعلنا نستوحي من السياق أيضاً أن نفي الحرج هنا يعني جواز الأكل ، فيكون المفهوم من الآية ليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ، ولا على المريض حرج ، أن يأكل من بيوت الناس ، أما أنتم فليس عليكم حرج أن تأكلوا من بيوتكم ، أو بيوت أقاربكم . والحكمة في ذلك : أن هؤلاء هم العناصر الضعيفة الذين يعجزون عادة عن كسب رزقهم ، فعلى الأصحاء كفالتهم والسماح لهم بالدخول إلى بيوتهم للطعام وبرهم . وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ تذكر هذه الآية بالتفصيل البيوت التي لا حرج على الإنسان في دخولها والأكل منها . ويبدو أنها ليست في مقام إعطاء الأذن فحسب ، بل في مقام التشجيع على ذلك أيضاً ، فربما يتحرج الإنسان من الدخول إلى بيوت أقاربه أو معارفه من الأصدقاء ، فيرفع النص هذا الحرج ، لتنمو الألفة والمحبة بين الأسر المختلفة ، وكما جاء في كتاب الكافي : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ : أَكَلْنَا مَعَ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام فَأُوتِينَا بِقَصْعَةٍ مِنْ أَرُزٍّ فَجَعَلْنَا نُعَذِّرُ فَقَالَ عليه السلام : مَا صَنَعْتُمْ شَيْئاً إِنَّ أَشَدَّكُمْ حُبّاً لَنَا أَحْسَنُكُمْ أَكْلًا عِنْدَنَا . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَرَفَعْتُ كُسْحَةَ الْمَائِدَةِ فَأَكَلْتُ . فَقَالَ عليه السلام : نَعَمْ الْآنَ » « 2 » . لأن الجلوس إلى مائدة الطعام في البيت يفتح القلوب على بعضها ، ويمتن العلاقات ، وبالتالي يفتح طريق التعاون بين أفراد المجتمع . فكم من تعاون بدأ من جلسة طعام ، حتى النشاطات الخيرية ، والحركات الرسالية كثيرا ما تنطلق من مثل هذه المناسبات ، فحينما تقترب النفوس وترتفع الحجب بين الإنسان وأخيه وبعيدا عن أنظار الناس وأسماعهم ، هنالك يبدأ الإنسان بالحديث عما يعانيه ، فيبث همومه
--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ص 108 ، بحارالأنوار : ج 72 ، ص 14 . ( 2 ) الكافي : ج 6 ص 278 .