السيد محمد تقي المدرسي

65

من هدى القرآن

فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ كالزواحف ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ كالإنسان ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ كالدواب ، يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وقد جاء في حديث الإمام الصادق عليه السلام للمفضل بن عمر في إطار الحديث عن خلقة الزرافة : « . . فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَتِ الزَّرَافَةُ مِنْ لِقَاحِ أَصْنَافٍ شَتَّى مِنَ الْحَيَوَانِ كَمَا زَعَمَ الْجَاهِلُونَ بَلْ هِيَ خَلْقٌ عَجِيبٌ مِنْ خَلْقِ الله لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ وَلِيُعْلِمَ أَنَّهُ خَالِقُ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ كُلِّهَا يَجْمَعُ بَيْنَ مَا يَشَاءُ مِنْ أَعْضَائِهَا فِي أَيِّهَا شَاءَ وَيُفَرِّقُ مَا شَاءَ مِنْهَا فِي أَيِّهَا شَاءَ وَيَزِيدُ فِي الْخِلْقَةِ مَا شَاءَ وَيَنْقُصُ مِنْهَا مَا شَاءَ دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ جَلَّ وَتَعَالَى . . » « 1 » . فربنا الذي شاء وكانت مشيئته هي الغالبة ، وأنت بدورك محكوم بإرادة الله ، فلماذا التمرد ولماذا العصيان ؟ . [ 46 ] وفي الوقت الذي أنزل الله الآيات التي تذكرنا بآياته ، فإن البشر بحاجة إلى الهداية المباشرة من قبل الله برحمة يخص بها من يشاء منهم ليهتدوا إلى الصراط المستقيم ، ذلك أن الهداية نعمة عظيمة وهدف رفيع لا ينالها كل الناس لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ إذن فعليك أن تسعى من أجل الحصول على هداية الله بطاعته والتقرب إليه بالأعمال الصالحة . [ 47 ] بيد أن هناك أناسا يدعون الإيمان ولكن واقعهم يخالف ما يدعون . وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . [ 48 ] إن أصوب مقياس للإيمان هو الطاعة عند الصراع ، فإذا أسلم للحق الذي يخالف هداه ومصلحته وقبل العدالة التي تكون إلى جانب خصومه ، وتنازل طواعية عن دعاويه إذا حكم القاضي العادل ضده ، فإن إيمانه حق ، وإلا فإن دعوى الإيمان غير مقبولة وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ . [ 49 ] ولأن طاعتهم لله والرسول نابعة من مصالحهم المادية ، فإذا كان الأمر لصالحهم أطاعوا ودعوا الناس إلى الطاعة ، أما إذا لم يكن الأمر كذلك فإنهم يخالفون حكم الله ويعرضون عن شريعته فإذا عرف أحدهم انه لو ذهب إلى الحاكم الشرعي فإنه سيحكم ضده ، فإنه يذهب إلى المحاكم الجائرة ليتسنى له التلاعب بالقوانين عبر الرشاوى .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 3 ص 97 .